Sunday, October 24, 2010

من غير عنوان

شيعنا صديقنا يوسف الليلة قبل الماضية، والذي قرر دخول القفص الذهبي بمحض إرادته، رغم تحذيرنا إياه من مغبة ذلك القرار العشوائي من وجهة نظرنا، ولكن في النهاية ساندناه في ما أراده، أقيم الحفل في مقر إقامته، لا أتذكر إني حضرت أي حفلة أقيمت في المنازل من قبل، ولكن الأجواء كانت مميزة للغاية.


وجدت أصدقاء كثر لم تسنح الفرصة لرؤيتهم منذ فترة طويلة، لم يكن ليوسف أصدقاء كثر، إلا أننا الخمسة المخلصون بقينا معه منذ أن بلغنا العاشرة من أعمارنا، لم تلتقي مجموعتنا بالآخرين منذ تخرجنا في الجامعة، جلست أتذكر الأماكن التي لعبنا فيها معا، حديقة المنزل لم تتغير، الشارع الخلفي، و"البراحة" الخلفية لا تزال خاوية، تذكرت الهروب خلسة إلى البقالة متأخراً بعيدا عن أعين أهل يوسف.


كلها ساعات قليلة ونفقد صديقا آخرا، تقلصت لائحة العازبين في الآونة الأخيرة، لم يتبق من الأصدقاء سوى خمسة، أوصلنا "المعرس" إلى قاعة الفندق، أقيمت مراسيم الزفاف، دخلنا لأقل من عشرة دقائق، أوصلناه، باركنا له، أمدناه ببعض النصائح المضحكة، ثم غادرنا خمستنا.


جلسنا في بهو الفندق نتأمل وكيف جرت السنوات بسرعة فائقة فجأة، لم أستوعب كيف مضت هذه الأعوام، الدنيا تغيرت كثيراً، الأصحاب تغيروا كثيرا، باستثناء خمستنا، ضحكتنا، أحاديثنا، نفوسنا ظلت كما هي، لم تتغير، رغم أن معظمنا حصل على ما تمناه في الحياة من وظيفة وأحلام، أعتقد أن خمستنا محظوظون جداً، كلنا حققنا ما أردناه مهنيا منذ أن تخرجنا من المرحلة الثانوية.


ما لفت انتباهي أننا نشعر جميعا أخيرا بالغربة ونحن في وطننا، لا أعرف الأسباب لذلك الشعور، ولا حتى الأصدقاء، توقعت أن تكون تلك السنوات التي عشناها خارج أوطاننا أثرت على نفوسنا مع تراكم الزمن، إلا أني لم أكن الوحيد الذي يشعر بذلك، هناك أمور نشعر بها ولا نستطيع أن نحدد ما هي.


لا أتوقع أن يعرف أحداً مدى الشعور الذي يراودنا ونحن نشعر بالغربة في أوطاننا.



صدقت فيروز عندما قالت .. الله كبير.



Saturday, October 16, 2010

أغنيتين

(1)
دور ان عاش فؤادك - ماري جبران






(2)
ماري جبران - ياما أنت واحشني





في رأيي أن أم كلثوم ليس بإمكانها أن تصل إلى ثلث أداء ماري جبران










Tuesday, September 28, 2010

الكتاب و مقص الإرهاب


تنظم جمعية الخريجيين الكويتية اليوم المهرجان الخطابي "الكتاب و مقص الإرهاب"، وذلك في تمام الساعة السادسة و النصف مساءً بمقر الجمعية في بنيد القار، أتمنى حضوركم.


Friday, September 10, 2010

ذكريات العيد


رغم مرور أكثر من 12 سنة على رحيلك من الدنيا، لا زال العيد يحمل في رياحه ذكرياتك، المنزل،السور، وحتى الحديقة، بقي على حاله منذ أن بلغنا سويا الخامسة من أعمارنا.

خالي يوسف لم يقلع من التدخين طوال تلك السنوات، التي نصح أطباء القلب أن يتوقف من شربها، إلا أنه يصر على تدخينها على الحديقة المقابلة منزله، ومنزل أم يوسف.



أم يوسف هي الأخرى مضت في طريق الخراف في الآونة الأخيرة، لا تعرف من حولها سواي، ما دفعني إلى هجر منزل والداي و المكوث هنا معها في حجرتي الصغيرة، والتي عشت فيها معظم أيام طفولتي حتى مراهقتي.



الليلة الماضية دعاني والدك إلى العشاء في بهو منزلكم في الخالدية، لم استطع منذ دخولي المنزل أن أمنع نفسي من الذهاب إلى غرفتك الصغيرة في الطابق العلوي، أو زيارة البيت الشجري في الحديقة الخلفية للمنزل المطل على الشارع العام.



بقيت الأغراض في غرفتك كما هي، العمة "تيريزا" لا زالت تنظف الغرفة إلى اليوم، كتبي وأورق ملاحظاتي وهدايا عيد ميلادك محفوظة و مركونة بعناية في الدولاب، لم يستطع والدك المكوث في "فينكس" بالمرة، وأصر أن يدفنك هناك، وطلب بأن ترسل حاجياتك إلى هنا في الكويت.



لم يزورنا أبوك منذ زواج أختك الكبيرة قبل خمسة سنوات، ورزقت قبل أيام بأبنة أسمتها عليك، عيونها زرقاء مثلك تماما، يبدوا أن جينات أمك و أختك تمكنا من الولوج إلى الصغيرة.

طوال العشاء مساء أمس كان يقول لي إن كنت على قيد الحياة فإنك ستكونين إمرأة في .... من عمرك، وربما قد ترزقين بذرية صالحة، إلا أن قضاء الله وقدرة خطفك من الدنيا، ومنا.



لم يتمالك عواطفه كالعادة، وغادر اليوم متوجها مجددا إلى الولايات المتحدة، هاربا من المنزل، من الذكريات، بقي البيت في عهدت عمك، و "تريزا"، والتي تضمني بقوة كلما قدمت إلى هنا.

المكتبة لا زالت مليئة بكتب خالي عبدالرحمن رحمه الله، وأضفت إليها ما أقتنيه قبل أيام، عمك في الآونة الأخيرة سلمني مفتاح المكتبة و المنزل المهجور تماما، لأدخل على راحتي.

مضيت طوال البارحة هنا في المنزل، صليت صلاة العيد في مسجد القطعة واحد، وأمضيت بقية اليوم الأول من العيد في مكتبي بالعمل.



سألت جدتي المسكنية صباح اليوم عنك، لم تعلم بأن الله قد قبض أمانتك في السابعة عشر من عمرك، ولم تعلم بأنك مدفونة على بعد آلاف من الأميال.


أسلك طريقي يوميا إليها بجانب روضة دمشق، روضتنا، وأمضي الليل برفقة خالي يوسف مع "فلتر زقارته"، مقابل الحديقة، والذي صرح لي قبل سويعات بأنه قد دخل التسعين من عمره،

و"حلف علي أن أذكر الله و ما أنظله!".



تباً لذكريات العيد.

Tuesday, August 24, 2010

رسالة بلا عنوان


إليها،

أليس مضحكا كيف تُسيرنَا الأيام، أجد نفسي في مقعد الطائرة المتوجهة إلى الهند، أحذوا بخطوات جدي النوخذه في سفره من الكويت إلى قطر ومنها إلى كيرلا، ولكن رحلتي هذه لم تستغرق سوى بضع ساعات، محددة بأربعة أيام، لن أنتظر موسم القفال لأرجع إلى الوطن، وحتما سأعود هذه المرة وبصحبتي العقد الذي وعدتك به مسبقاً، والذي سيزين عنقك.

آنستي، لا زلت متمسكا بمهنج الرسائل رغم تطور وسائل الاتصال، وأعرف يقينا مدى قدرتك على تحليل الكلمات من رموز إلى معان ذات مغزى، وأعلم أنكِ أكثر دراية فيها عن غيرك، وعرفت من الحياة بأن الرسائل ليست سوى غاية للتواصل بين روحين منفصلتين في بقاع الأرض، ومهما اتسعت المسافة بينهما، إلا أن مصيرهما واحد، ويحتم علينا الاختيار.


تعتلج الكلمات في صدري، أبقى عاجزا عن التعبير عما يختلج الفؤاد ردا على كلام العجوز التي طالعتني للمرة الأولى، وأفصحت عن طالعي فجأة، ولكني بعد فترة اكتشفت بأن العجوز كانت تعاني من الخرف، ما يفسر ما هذيت به إلي، و أن كل ما قالته لي لم يكن سوى أوهام اعترت عقلها.


آنستي، إن الحياة مثلما قلتي أنهاراً قد تغير مجراها، ولكن موقفي مثل الروافد ثابتة في مصبها لا تتحرك،


جل ما أخشاه في رحيلي أن أعود لأواجه مصير محمد الفايز، عندما وطأت قدماه تراب الوطن ليكتشف أن "طيبة" حبيبة العمر أنقضى أجلها، عندها سأردد ما قاله في مذكرته الخامسة


عندي خُمور
عندي عُطور
عندي بَخور الهند يا تجار مكة يا ملوك
عندي القلائد و الأساور للجواري و النساء
من يشتري أفراح بحارٍ يعود مع المساء
الشمس في عينيه ماتت مثلما مات العبير
و النور في بيت خلا لولا حصير
و فتيل مسرجة كأهداب الضرير
لِمَ تُنبت الأرض الزهور
و عظام موتانا بها؟ أين الحبيبة؟
ماتت من الجُدَريِّ طيبة
من يشتري كل المَحار؟
من يشتري كل البِحار؟
بعيون طيبة يا نهار
قد أطفأت عينيك عيناها فحاربْتَ الضياء


أو أن أجد نفسي ملازما لفهد العسكر في معاقرة الصهباء، بينما يرتل قصيدته "نوحي" على مسمع رواد المقهى، وكل ما أخافه أن يصل إلى ترتيل تلك الأبيات التي أتحاشاها


قد أرغموكِ على الزواجِ بذلك الّشيخِ الوضيعْ
أغْرَاهمُ بالمالِ وهوَ المالُ معبودُ الجميع

فقضوا على آمالنا ، وجنوا على الحبِّ الرفيعْ

ما راعَ مثلُ الوردِ يذْبُلُ وهو في فصلِ الربيعْ
**********
قد زيّنوا الأحداثَ ـ ويلهمُ ـ وسمَّوها مَخَادع
كمْ ذُوِّبَت فيها كُبودٌ ، واكتوَت فيها اضالِعْ
وتحطّمتْ مُهَجٌ ، وسالت أنفُسٌ ، وجرَت مدامعْ
هذا ، وما من زاجِرٍ ، كلاّ ولا في الحيِّ رادعْ
**********
زُفَّت وهلْ زُفَّتْ فتاةُ الحيِّ للزوجِ الحبيبْ ؟
هل أخفَقَت أم حقَّقتْ بزفافها الحلْم الذّهيبْ
وارحمتاهُ لها ، فقد زُفَّتْ الى الِّسجنِ الرهيبْ
وغَدَت بهِ نهْبَ الجوى ، والشَّجْوَ ، والهمّ المُذيب


الهند

٢٤ أغسطس ٢٠١٠

Saturday, August 7, 2010

في الحظوظ و الصدف




سألتني .. هل تؤمن بالحظ أو الصدف؟، لم أكن بعد مستعد نفسيا لهذه النوعية من الأسئلة المباغته، ولكني لم أتلفظ سوى بالكلمات التي أقتنعت بها، بأني لا أؤمن بالحظ، بينما أؤمن بالصدف، ربما تبرير هذا التناقض بحاجة إلى ساعات عدة لتوضيحها، لم أتردد باستدراك حديثي أن الحظ لم يكن يوما في صفي، بل على النقيض، فهو ندي الأبدي.


قيل لي بأن حظي سيكون تعيساً دائما، وفقاً لتاريخ ميلادي، لذا لن يغير ذلك شيئا،وهذا الشيء ما أكدته العرافة التي قابلتها قبل أسابيع في نيفادا.


فتحت حقيبتها الصغيرة التي حملتها معها، وأخرجت منها عملة ورقية، أجبتها ممازحا "نحن لا نقبل التبرعات النقدية"، ابتسمت، وأصرت أن تسلمني ورقة نقدية أخرجتها من محفظتها، انصدمت عندما تبين لي بأن العملة التي أهدتني هي دولارين في ورقة نقدية واحدة أمريكية؟، سألتها هل سرقتيها من لعبة "مونوبولي" لأختك الصغيرة نينا؟


لم تتمالك كرستين نفسها من الضحك، وأوضحت أنهاعملة نقدية نادرة، لم يكتب لها النجاح في عملية التدوير، ولكنها لا زالت قابلة للصرف، لافتة إلى أنها تجلب السعادة و الحظ الوفير لمن يحملها، وعندما رفضت قبولها، أصرت على الاحفتاظ بها لأنها ترى بأني بحاجة إليها أكثر منها، وفضلت أن تهديني أعز ما تملك قبل رحيلي من مدينة شيكاغو.


وعدتها أني سأحتفظ بالورقة ما حيت، لعل في أحد الأيام سأتمكن من توريثها إلى ذريتي، إن كتب الله عز وجل ذلك.


اقترحت أن نذهب إلى مطعم القدس القديمة، وهو مطعم لفلسطنيين هاجروا من القدس الشرقية إلى الولايات المتحدة قبل نحو ٥٠ عاما، إلا أني أصريت على الذهاب إلى مطعم الإيطالي، والذي يبتعد نحو شارعين من المقهى الذي جلسنا فيه، قررنا الذهاب إلى دار السينما لمشاهدة فيلم "اختراع الكذب"، والذي يحكي عن أول رجل اخترع الكذب في العالم، كل ما تبادر إلى ذهني كيف أن أكون الشاهد أول أكذوبة في تاريخ البشرية


أحداث الفيلم تشير إلى أن البشر كانوا يعيشون يوميا على بوح الحقيقة القاسية، من دون أي تخفيف لها، وبإمكان المشاهد أن يرى التأثير السلبي لهذه الكلمات على شخصيات الفيلم المتعددة، حتى أن أحد شخصيات الفيلم بدأ يفكر بالإقدام على الانتحار لأيام عدة، إلى أن تدخل بطل الفيلم ليخفف عنه آلامه.


بعد الفيلم بدأت بالتدبر بأحداث الفيلم و بقساوة الحياة إن كانت تعتمد كليا على بوح الحقيقة، وأن البشر سيصرحون بكل ما سيجول في خاطرهم، لك أن تتصور مقدار الأذى النفسي الذي قد يسببه الأشخاص لبعض، وهذا لا يدفعنا على الكذب والافتراء دائما،ولكن هناك أكثر من طريقة لقول الحقيقة، منها أن تختار المفردات بعناية، لتصل المعلومة بطريقة خفيفة بأذى أقل.


توصلت الليلة إلى أن الحياة بالحقيقة فقط هي حياة باردة قاسية، خالية من الأحساسيس أو المشاعر، يحتوي الفيلم على عمق فلسفي رهيب، ما دفعني إلى التفكير الليلة في نفسي، لست من الذين يؤمنون بالمناطق الرمادية، أرى الحياة أحد اللونين إما أبيض أو أسود، لا مجال للون الرمادي أو وجود بقعة مشتركة، كل ما أعرفه بأن هناك الخطأ و الصواب، و أن الإنسان ينبغي في النهاية أن يميل لما هو في جادة الصواب، ولكن تختلف القرارات بحسب النسبة، تباً للنسبيين!


الليلة هي الأخيرة لي هنا، وسأغادر غدا الولاية متوجها إلى العاصمة واشنطن، لذا فضلت أن أطيل بعض الشيء في المدينة، لأستمتع بناطحات السحاب العملاقة، إلى أن أوصلت كريستين إلى مقر سكنها، أوعدتني قبل أن أذهب بأن احتفظ بعملة الورقية، وتمنت لي حياة سعيدة.. كانت عبارتها الأخيرة لي "كم هي محظوظة"،وعندما سألتها عنها لم تجبني، بدأت أصدق بما صرحت به العرافة.

-- أكتوبر ٢٠٠٩


العملة النقدية.

للمزيد من المعلومات عن العملة النقدية هنا

Saturday, July 17, 2010

مسألة ضمير


من يعرفني عن كثب سيكتشف أني لست من الأشخاص الذين يحلمون أبدا، كل ما أتذكره من الليلة الماضية هو السواد و العتمة، ولكن هذه الأيام اختلف الأمر كليا، بدأت أعاصر أحلاما بعضها الغريب و الآخر أجد صعوبة بالغة في فهمها، لست من الأشخاص الذين يصدقون الأحلام، أو يسعون إلى معرفة معناها، إلا أني وجدت نفسي في ليالي عدة أقف أمام نفس الصورة التي التقطت في أحد المباني خلال رحلتي إلى الولايات المتحدة.

أورد هنا ما كتبته في مذكراتي.


أستمتعت كثيراً اليوم، خطيت بخطوات والدي هنا في نيويورك، عندما بلغت الثامنة من عمري، اصطحبني والدي إلى أماكن كثيرة أثناء زيارتنا إلى نيويورك، أولا إلى حاملة طيرات الانتربد، و الثانية إلى سنترال بارك، و الأخيرة إلى تايم سكوير، ولكن للأسف "كاتس" لم يكن لها نصيب في هذه الرحلة.


ولكن قبل زيارة هذه الأماكن المتفرعة، زرت مقر صحيفة النيويورك تامس، وهي صحيفتي المفضلة، الكثير من الزملاء يفضلون الواشنطن بوست عليها، ليس المقصود تهميش من مكانة الأخيرة، ولكن هناك أقسام في النيويورك تايمس لا يمكنك أن تغفل عنها، مثل نشرتها الأسبوعية الثقافية، لاسيما قائمتها الشهيرة لأكثر الكتب مبيعا، و الملحق التكنولوجي اليومي، إضافة إلى قسمها الدولي، والذي قابلته الليلة.


الجولة في أرجاء المكان كان لطيفا، سنحت الفرصة للقاء رئيس التحرير، ورئيس القسم الدولي، فضلا عن نائبة رئيس مجلس الإدارة، ولكن ما لفت انتباهي هي الصورة المعلقة على الحائط في الدور الخامس، وهو الطابق المخصص لفائزين بجوائز البوليتزر من الصحيفة، وهم كثر!


الصورة المعلقة في الطابق الخامس هي لأحد أشهر المصورين الذين استعانت بهم الصحيفة، ويدعي كيفن كارتر، كانت الصورة لطفلة سودانية تعاني من جوع و فقر شديدين، لا يطاق، لم يحاول كارتر مساعدتها،وإنما ظل لساعات -على حد رواية المسؤولين في الصحيفة- لإلتقاط صورة معبرة للطفلة، كان ينتظر أن يفرد النسر جناحيه خلف الطفلة، لتصبح الصورة مثالية جداً، ولكن باءت محاولاته بفشل ذريع، التقط كارتر الصورة، ومضى في طريقه من دون أن يساعد الطفلة.

الصورة نشرت في صحيفة النيويورك تايمس في عام ١٩٩٣، وتلقت الصحيفة سيلا من الاتصالات تستفسر عن مصير الطفلة، وطالب العديد من الصحافيين من الصحيفة أن تعد تقريرا مفصلا عن الطفلة، و حالة المجاعة التي تعاني منها أطراف السودان، وانتقدت الصحف الأمريكية بشدة تلك الصورة، ووصفت المصور "بالمعتدي جنسيا و الظالم و القاسي"، لأنه لم يكترث بمساعدة تلك الطفلة المسكينة.

وحاول عدة صحافيين أن يحاولوا معرفة مصير الطفلة بعد الصورة الفوتوغرافية، إلا أنهم لم يتوصلوا إلى نتيجة، وأنه من الأرجح أنها لقت مصرعها نتيجة الجوع.

حصد كارتر جائزة البولتزر للصحافة عن أفضل "فيتشر صحفي" في عام ١٩٩٤، وهو يأتي من أصول جنوب أفريقية، ولم يتحمل الانتقادات التي استمرت بملاحقته إلى أن انتحر في السنة ذاتها التي حصل على أشهر جائزة للصحافة.

الضمير على حد قول رئيس التحرير أدى إلى الانتحار، وأورد في رسالة انتحاره إنه ربما سيلاقي تلك الطفلة التي لم يتمكن من مساعدتها، ويقول في رسالته الأخيرة، إنه ربما ستسنح له الفرصة للقائها.. إن كان محظوظا!

الشيء الوحيد الذي يبقيني ساهرا حتى الآن هو انعدام ضمير المصور لتلك الطفلة المسكينة من ناحية، و إحساسه و ضميره الذي أنبه لفترات طويلة إلى أن انتحر، ما لم استطع فهمه، لماذا شعوري بأن انتحاره هو الحل الصحيح له، ولماذا انتحاره يشكل رمزا للمسؤولية؟

ما أعرفه، أن الانتحار هو شيء جنوني، ولا يجوز أن يحدد الإنسان مصير حياته في الأساس لأنه في النهاية الأعمار بيد الله عز وجل، وإنما في هذه الحالة فإن انتحار كيفن كارتر شكل صورة للضمير.

ما أود أن أتوصل إليه، إن ضمير كارتر يشكل شرفا كبيرا لضميرا حيا، بينما في وطني الكويت، الكثيرون سرقوا الملايين، و يتنعمون بأموالنا، أموال الشعب المسكين، ولا يعانون أبدا من الصور التي كانت تطارد كارتر منذ التقاطه لتلك الصورة.


في بلدي الملايين تنهب من مناقصات، رشاوى، و غيرها من المحرمات، و في نهاية النوم، يتمكن سراق المال العام من النوم، نوما هنيئا، بينما جفت عيون كارتر،و انتحر في النهاية، .. نعم لكارتر ضمير و شرف.


-- أكتوبر ٢٠٠٩


* صورة كيفن كارتر الشخصية، و بجانبها الصورة التي التقطها

في ١٩٩٣ كما بدت في مبنى النيويورك تايمس.


الصورة الأصلية التي التقطها الراحل كيفن كارتر.