Sunday, June 30, 2013

في رحيل أم يوسف.




في إبريل الماضي فقدت أعز إنسانة في حياتي، رحلت جدتي أم يوسف بعد صراع سبع سنوات مع المرض العضال، قاومت وقاتلت من أجل الحياة، وفاضت روحها الطاهرة بعد أن التقينا جميعاً الليلة التي سبقتها، كانت بصحة وعافية قويتين، بسذاجتي وشدة فرحتي لم أستوعب أنها صحوة الموت إلا في صبيحة اليوم التالي.

أكثر ما آلمني إني لم أحظى بفرصة توديعها، أن أقبل رأسها ويديها وقدميها، وهي أم يوسف التي بذلت الغالي والنفيس في تربيتي، ومنحتني جلّ اهتمامها رغم تقدمها في العمر، مذ ذلك اليوم لم أجد نفسي قادراً عن الكتابة أو حتى الحديث عنها، عن أي شيء أكتب أو أذكر؟

أأذكر لقاءاتنا الصباحية قبل ذهابي إلى مقر عملي؟، أم تلك المكالمات الطويلة الأسبوعية طوال فترة غربتي، والنصائح التي قدمتها لي؟، وإزالتها باستمرار من خلال رجاحة عقلها لكل الآلام التي أصابت ضلوعي، يؤلمني كلما حاولت التعبير عن أم يوسف، فكيف أختصر سيرة إنسانة كانت على قيد الحياة والاكتفاء بكلمة "كانت"، كيف يتحول إنسانة حية ترزق إلى مجرد ماضي أو ذكرى عابرة؟

سيبقى آخر لقاؤنا جمعني بك محفوراً في عقلي، قبل أن يبدأ المرض اللعين في الانتشار، ويسلبك مني، كنت في ذلك الوقت في طريقي إلى المطار، واعتدت دائما على زيارتك قبل مغادرتي، طالب في السنة الثالثة في الجامعة، أحفظ كل كلمة من ذلك اللقاء، خاصة وصيتك الأخيرة لي قبل الوداع، ولا زلت متمسكا بتلك الوصية.

يتعصر قلبي كلما تذكرت تلقي خبر وفاتك في الثامنة والنصف صباحاً من ذلك الثلاثاء، وشريط الذكريات في طريقي إلى منزلك، لم أكن مستوعباً وأنا وخالي يوسف عندما حملناك إلى "المغيسل" إنها المرة الأخيرة التي سأراك فيها، ولم أتمكن من إلقاء النظرة الأخيرة قبل إتمام مراسيم الدفن، فقلبي لا يقوى على الوداع.
اليوم فقط عرفت شعور اليتيم من بعدك يا أم يوسف.

إبريل 2013.

Thursday, June 6, 2013

في "حكم الدستورية"




الكويت تقع على أعناق المستشارون في المحكمة الدستورية، ففي السادس عشر من يونيو الحالي، ستفصل المحكمة في مدى دستورية المرسوم بضرورة وفق المادة 71 من الدستور من مجلس الوزراء، والذي غيّر بموجبه آلية التصويت، بحيث تم تقليص الأصوات الممنوحة لكل ناخب بلغ السن القانونية من أربع أصوات إلى صوت يتيم.

الحكم المرتقب صدوره، سيؤثر مباشرة في مستقبل السياسي للبلد، وأرى أن خطورة الحكم يكمن في منح مجلس الوزراء صلاحيات تفوق ما ورد نصاً في الدستور، إذ يصبح من حق مجلس الوزراء تغيير آلية التصويت في كل عملية انتخابية، لم تعجبها مخرجاتها، وذلك استناداً إلى المبدأ العام، أن أحكام المحكمة الدستورية نهائية لا يجوز الطعن بها.

رأيي المتواضع يميل إلى قبول جميع الطعون المقدمة على مرسوم "الصوت الواحد"، وذلك بعد أن قبلت المحكمة في يونيو الماضي الطعون في سلامة مرسوم الدعوة للانتخابات مجلس الأمة في فبراير 2012، وبناء عليه تم إبطاله، لأسباب إجرائية تتعلق في التشكيل الحكومي، وما صاحبه من إجراءات مرسوم حل مجلس الأمة 2009، ولا بد –طبيعياً- من المحكمة أن تستمر في قبول الطعون، والتأكيد على مبدأها وحقها العام في بسط يديها على المراسيم الأميرية.

شخصياً، أرى أن قانون الانتخاب وآلية التصويت هما نص واحد مترابط، وبناء عليه، فإن المحكمة الدستورية فصلت بشكل واضح، لا لبس فيه، أن تعديل قانون الانتخاب أمراً سياسيا، يصدر بقانون، وهو اختصاص لمجلس الأمة في الأحوال الطبيعية، ومن هذا الجانب أتوقع، وكلي آمال أن تنتصر المحكمة الدستورية لحكمها الأخير بشأن الدوائر الانتخابية.

لماذا أرجح الإبطال؟، هناك عوامل كثيرة، أجد نفسي مقتنعا تماماً في ما قدمه النائب السابق لرئيس مجلس الأمة عبدالله الرومي في طعونه، أهم ما جاء في طعنه –وهي نقاط مهمة ومثير للاهتمام- استناده للمادة 102 من الدستور، التي تنص على "لا يتولى رئيس مجلس الوزراء أي وزارة، ولا يطرح في مجلس الأمة موضوع الثقة به، ومع ذلك إذا رأى مجلس الأمة بالطريقة المنصوص عليها في المادة السبقة عدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء، رفع الأمر إلى رئيس الدولة، وللأمير في هذه الحالة أن يعفي رئيس مجلس الوزراء، ويعين وزارة جديدة، أو أن يحل مجلس الأمة.

 وفي حالة الحل، إذا قرر المجلس الجديد بذات الأغلبية عدم التعاون مع رئيس مجلس الوزراء المذكور، اعتبر معتزلا منصبة من تاريخ قرار المجلس في هذا الشأن، وتشكل وزارة جديدة".

نص الفقرة الثانية شديد الأهمية، أنه في حالة توصل الأمر إلى استجواب رئيس مجلس الوزراء، وحصل المستجوبون على العدد الـ 25، رفع الأمر إلى رئيس الدولة، وفي حالة قرر حل المجلس، فإن من حق رئيس الدولة إعادة تعيين رئيس مجلس الوزراء، ولكن في حالة عودة "ذات الأغلبية"، وهنا أركز على لفظ "ذات الأغلبية" عدم التعاون معه، واستجوابه مرة أخرى، فإنه في حالة حصولهم على الرقم الـ 25، فإن الأمر يخرج من يد رئيس الدولة دستوريا، ويعتبر رئيس مجلس الوزراء معتزلا منصبة، وعلى رئيس الدولة سمو أمير البلاد تعيين رئيساً جديد لمجلس الوزراء وفق المادة 56 من الدستور.

وبالتالي، فإني أصور ما حصل في مجلس الوزراء عندما لجأ  إلى المراسيم الضرورة، كان يهدف إلى تغيير تركيبة مجلس الأمة، ويقطع الطريق أمام كل من يريد استجواب رئيس مجلس الوزراء، حتى لا يعزل سياسياً وفق الفقرة الثانية من المادة 102 من الدستور، ليأتي بمخرجات نيابية صديقة وأليفة مع الحكومة.

أما في ما يتعلق في المادة 71 من الدستور التي تنص على "إذا حدث فيما بين أدوار انعقاد مجلس الأمة، او في فترة حله، ما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير، جاز للأمير أن يصدر في شأنها مراسيم تكون لها قوة القانون، على أن لا تكون مخالفة للدستور أو للتقديرات المالية الواردة في قانون الميزانية، ويجب عرض هذه المراسيم خلال خمسة عشر يوما من تاريخ صدورهما، إذا كان المجلس قائما، وفي أول اجتماع له في حالة الحل أو انتهاء الفصل التشريعي، فإذا لم تعرض زال بأثر رجعي ما كان لها من قوة القانون بغير حاجة إلى إصدار قرار بذلك، أما إذا عرضت ولم يقرها المجلس، زال بأثر رجعي ما كان لها من قوة القانون، إلا إذا رأى المجلس اعتماد نفاذها في الفترة السابقة أو تسوية ما ترت من آثار بوجه آخر".

أجد أن جميع المراسيم التي أصدرها مجلس الوزراء غير دستورية، لكونها لا ينطبق عليها الضرورة، وإن كان بعض السياسيين يرون أن الميزانية العامة للدولة للسنة المالية 2012-2013 مهمة ويجب اعتمادها، فإن هذا الأمر مردود عليه، إن الانتخابات أقيمت في بداية ديسمبر 2012، ولدى المجلس الجديد نحو 45 يوماً قبل أن تنتهي المدة، فوزارة المالية حسب النصوص القانونية والدستورية، لديها فرصة حتى 29 يناير من كل عام لتقديم تقدير الميزانية العامة للدولة إلى مجلس الأمة، وكذلك المجلس لديه متسع كثير من الوقت لمناقشة وإقرار الميزانية، لاسيما أن الوقت يسعف لعقد أكثر من جلستين علنيتين، وجلستين تكميلية، أي ما يوازي أربع أيام، وهنا يظهر لي جلياً عدم دستورية مراسيم الضرورة الخاصة في الميزانية العامة للدولة.

أما باقي المراسيم الضرورة الأخرى، فبالله عليكم أين الضرورة في تعديل قوانين الإسكان، الشركات التجارية، تحويل مؤسسة الخطوط الجوية الكويتية إلى شركة مساهمة، وغيرها من المراسيم ذات صيت شعبي؟، إن مجلس الوزراء استعمل المراسيم الضرورة في غير محلها، ولو كنت محل المحكمة لأبطلتها أيضاً، انتصاراً للمبدأ العام لمفهوم مرسوم الضرورة.

كما إني أجد أن هناك نقاط مهمة أيضا، وحجج أخرى للطعن بمرسوم الصوت الواحد، أرى أن الحكومة التي أصدرت المرسوم غير دستورية، وأرجع هذا الأمر إلى أن الوزراء وفق النصوص الدستورية يؤدون اليمين الدستورية مرتين الأولى وفق المادة 126 التي تنص على " قبل أن يتولى رئيس مجلس الوزراء والوزراء صلاحياتهم يؤدون أمام الأمير اليمين المنصوص عليها في المادة 91 من هذا الدستور".

ويعد القسم أمام سمو الأمير هو قسم تنفيذي، ليتولى إدارة شؤون الوزارة، ولكن هذا لا يعني قدرة الوزير على ممارسة أعماله داخل مجلس الأمة، ,وليس من حق مجلس الوزراء التقدم بمشاريع بقوانين إلى مجلس الأمة، إلا بعد أداء اليمين الدستورية أمام مجلس الأمة وفق المادة 91 التي تنص على "قبل أن يتولى عضو مجلس الأمة أعماله في المجلس أو لجانه يؤدي أمام المجلس في جلسة علنية اليمين الآتية: أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصاً للوطن والأمير، وأن احترم الدستور وقوانين الدولة، وأذود عن حريات الشعب ومصالحه وأمواله وادؤي أعمالي بالأمانة والصدق".

وهنا أورد تساؤل جوهري، هل يحق لمجلس الوزراء أن يتقدم بطلب عدم إمكان التعاون مع مجلس الأمة، وبناء عليه حل المجلس، وهو ليس عضواً فيه؟، فهو لم يقسم أمامه ليفعل عضويته فيه بالأساس؟، أما الرد بالقول أن رئيس مجلس الأمة رفع رسالة إلى سمو الأمير يبدي فيه عدم قدرة المجلس على اكمال نصابه لأداء الحكومة اليمين الدستورية أمامه، فهي غير دستورية، الدستور بمواده الـ 183 لم تنص أبداً على مثل هذا الإجراء، وإن كانت نوايا رئيس المجلس أن يرفع الحرج عن عدم تمكنه من  دعوة مجلسه للانعقاد، إلا أن هذه الرسالة ودية من رئيس سلطة لسمو الأمير، ولا شيء أكثر من ذلك.

هناك طعون كثيرة وحجج مقنعة في عدم دستورية المرسوم الصوت الواحد، وأحدها أنه لا يحق لمجلس الوزراء أن يشكل كيان جديد يتمثل في اللجنة الوطنية العليا للانتخابات، ورصد ميزانية خاصة بها، دون اعتماد مجلس الأمة هذا الكيان واعتماد ميزانيته، وربما يكون هذا أحد الحجج القوية أيضا.

أتمنى أن كون قد وفقت في عرض وجهة نظري بشأن حكم المحكمة الدستورية المرتقب في 16 يونيو المقبل.

Monday, April 1, 2013

Note to self.




لم أنوي القدوم إلى أريزونا، كان كل شيء بمحض الصدفة، أجريت اتصالاً هاتفيا إلى أحد الأصدقاء للمساعدة في موضوع متعلق في العمل، ونصحني بالقدوم إلى هنا، بناء على الاتصال أجريت ترتيبات السفر بسرعة مذهلة، عشرون دقيقة من البحث في مواقع الانترنت سعيا لإيجاد فندق لإيوائي لبضعة أيام.

إجازتي الشخصية تبدأ بعد الأربعة أيام التي سأقضيها في أريزونا، ثم سأغادرها إلى هيوستن تكساس، ولكن الخطة لم تفلح، عقلي لم يكن في محله عندما وافقت على القدوم هنا، الرحلة من لوس أنجلوس كانت متعبة ومثقلة للغاية، اضطررت إلى أخذ حبوب منومة لأهنئ بقليل من النوم، علّه يساعدني على تصفية ذهني.

استيقظت من النوم على رنين الهاتف ورجفته، أنه خالي محمد دعاني إلى تناول وجبة الغداء بعد انتهائه من دوامه وعودة زوجته من العمل، أمي كانت قد أبلغته أمس عن قدومي هنا، وبعد إغلاقي لسماعة الهاتف، بدأ عقلي فعليا في التفكير.

حزت كثيراً، بكيت لدقائق معدودة، كيف يمكنك أن تغفري لي، أن أكون قد نسيت إنك قضيتي أيام طفولتك ومراهقتك  التي لم تنعمي بها هنا؟، في مدينة شديدة القرب من حيث أسكن، في حي الجامعة المعروف، وهو المكان الذي كنت تنوين الذهاب إليه، ولكن سبقك الدهر.

سبق أن كتبت عنك في مدونتي، والدك كالعادة حاول تغيير الموضوع مجدداً، ضمني بقوة عندما وصلت إلى شرفة منزله، يقول لي إنني بدوت أشبه أمي، لم أعد الطفل الذي اعتاد أن يحمله على كتفيه للذهاب إلى محلات نحن والأطفال برفقة أبنائه.

طوال فترة جلوسي على طاولة الطعام، كان السؤال يلح عليّ باستمرار أن أسأل عن مكان مرقدك الأخير، ولا أعرف سبب دفنك هنا، بعيداً عن الجميع، وأسئلة أخرى أعلم إني لن أحصل على إجاباتها، ولأنني دائما من يوجه الأسئلة إلى الناس، وجدت نفسي بلا قوة لتوجيه أي منها اليوم.

تناولنا كأسين من الشاي في شرفة المنزل الجميلة، وبعض الحلويات والسكريات، أبلغته إني أقلعت عن تناولها منذ أشهر الآن، إلا أن خالي دائماً ما يصيب نقاط ضعفي الدائمة، ووعدت نفسي بعدها بأن أبذل مجهوداً إضافيا في النادي الصحي في الفندق فور عودتي أو غداً في أقصى تقدير.

سألت خالي السؤال الصعب، وذهبت في الصباح التالي إلى مرقدك الأخير، الشاهد واضح باسمك، لم أحمل معي وروداً مثلما يفعل الممثلون في الأفلام السينمائية، ولم أحمل معي رسالة أعبر فيها عما أشعر به، كل ما فعلته إني وقفت أمامك لدقائق.(...) ومن ثم كتبت بذور مذكرتي هذه.

بدأت في تنقيب ذاكرتي، احتفظ صور قديمة لعائلتي ووالدي في هاتفي المحمول، ومن ضمنها صورة جمعتنا معنا أثناء وجودنا في الشاليه مع أختك الكبرى، وأسئلة وتساؤلات صارت تؤرقني، هل يحق لنا أن ننسى من أثر في حياتنا بعد مماتهم؟

وفاتك هي الحادثة الأولى وتجربتي الأولى في رحيل الأقارب، ثم فارقتني جدتي لأبي بعدها بعامين، ورحيل عدد من الأصدقاء، استطيع تسميتهم جميعا الآن، عبدالله ويحي ومصطفى وأحمد وبراك وناجي، وعبداللطيف، وطارق وعمر.
آسف..
توسكون، أريزونا
 نوفمبر 2012

Wednesday, December 19, 2012

لقاؤنا الأول.


 

هنا، في الجهة المقابلة لكرسييّ هذا جلست أول امرأة وقعت فعليا بحبها، أتذكر من لقاؤنا الأول إني رتلت عدداً من أبيات الشاعر قاسم حداد، في تلك الحقبة من حياتي سجلت بداية ولعي في الشعر البحريني، حاولت جاهداً في تلك الليلة ألا أظهر توتري، تمرنت مرات عدة على ما سأقوله كأي طالب جامعي في الثامنة عشرة من عمره.

كان حبي الأول متذوقا مبهراً للشعر العربي، كانت تدفن جمالها في الحديث عن أمور جدية متعلقة في الأدب والثقافة، ومجرد أن يعترف أحدا بافتتانه بجمالها تعتبره إهانة بالغة، وفي كل مرة أتحدث عن كتابٍ ما أو قصيدة، كان عشقها أن ترد بأبيات قصيرة لإبراهيم ناجي، ليست بقصائد معروفة أو اعتدنا على وقعها بآذاننا، وإنما تلك القصائد المنسية، التي يتداولها عدد محدود جداً من الناس.

 حاولت في تلك الحقبة من حياتي أن أكون مجرداً كأحمد شوقي، ولا زالت زيارتنا إلى "كرامة بن هانئ" محفورة في ذاكرتي، همست بعد زيارتنا تلك إليها قائلا "سأمتلك منزلا كهذا بسقف عال وصالة معيشة فكتورية، وعندها سأسمي المنزل بـ “دار السرور"، وتلقيت بعدها أولى نظرات الغضب".

وأعود إلى اليوم، رحلت تلك الأيام الخوالي، ولم يتبق سوى تلك الذكريات الجميلة، وأكثر ما أتوق إليه هو التحدي المستمر الذي كانت تضعني فيه، تظهر دائما أحسن ما بداخلي من إنسانية، ودائما ما تكون هناك كتب لم أفرغ من قراءتها، ونقاشات عديدة لم ننتهي منها، ومقاهي كثيرة لم نذهب إليها، والتحفيز المستمر لقراءة تاريخ وطني.

ما جعلني الليلة استرجع كل هذه الذكريات هو اقتراح النادل في المقهى الذي اعتدنا أن على قضاء أوقات فراغنا فيه، سألته عما يقترحه لوجبة عشاء لطيفة وخفيفة، وكان رده "كيش يا أفندم"، وهي وجبتها المفضلة، اكتفيت باحتساء قهوتي المعتادة مع كأس من المياه الغازية، أنا وقلمي والذكريات.

 نوفمبر 2012.

Monday, December 10, 2012

لننتصر لقضية "الإيداعات المليونية"




لم يعد المشهد السياسي منذ كشف "القبس" في العشرين من أغسطس 2011 عن "الإيداعات المليونية" لعدد من النواب مجلس الأمة 2009 التي أربكت البنوك كما كان من قبل، فاليوم جميع القواعد السياسية تغيرت، وارتفع سلم مستوى لاعبيها عمّا كان في السابق.
ولّدت "الإيداعات المليونية" غضب شعبي عريض غير مسبوق، أسفرت نتائجه خلال ستين يوما الاستقالة الأولى في الحياة السياسية الكويتية لرئيس مجلس الوزراء السابق، وتعيين نائبه الأول خلفا له، كما أدى سرعان الأحداث السياسية من اقتحام عدد من المواطنين لمجلس الأمة في حادثة تاريخية إلى حل مجلس 2009، والدعوة لانتخابات أخرى نالت المعارضة فيها أغلبية مجلس فبراير 2012 قبل أن تبطله حكم المحكمة الدستورية لأخطاء إجرائية.
لا يختلف إثنان على أن قضية "الإيداعات المليونية" هي من القضايا السياسية العادلة، لكنها أنها غُيبت وسط العراك السياسي المحموم بين مناصريها من المعارضة والسلطة، إلا ما لا يمكن القبول أبداً أن يترك مصير هذه القضية –رغم حفظ النيابة العامة للملف- في يد مجلس الصوت الواحد.
ورغم ما كان، فإنه أصبح من غير المقبول أن تترك القضية في مجلس أمة قد وصل إليه عدد من المتهمين في القضية ذاتها، وآخرين يحملون مواقفاً سياسياً مسبقة لها وصلت إلى حد التشكيك في حقيقة تلك الإيداعات، واستنتجوا مسبقا أن ما تم إثارته هي مجرد لعبة سياسية ملفقة يقودها أحد أطراف النظام، فكيف يترك الملف بهذا الحجم في يد هؤلاء؟
 إنّ لجنة التحقيق في الإيداعات المليونية في مجلس الأمة 2012 المبطل تمكنت من خلال ثمانية اجتماعات موسعة بلغ ساعات عملها 25 ساعة و50 دقيقة خلال الفترة من 15 فبراير 2012 إلى 26 يونيو 2012، استقبلت خلال هذا الاجتماعات أكثر من 25 شاهداً وموظفاً حكومياً، إلى جانب ممثلي قطاع البنوك، قسموا على قول الحقيقة ولا شيء غيره.

لم يكن أهداف تشكيل اللجنة الوصول إلى حسابات المتهمين في القضية، وإنما كشف قصور الأجهزة الحكومية يتصدرها بنك الكويت المركزي، ووزارة المالية، إضافة إلى الجهات التابعة لهما، لكون الوصول إلى الحقيقة الغائبة عن الجميع، بأن المراكز المالية للمتهمين لا يمكن الوصول إليها سوى في حالتين الأمر القضائي والتخويل الشخصي، وهو ما لم يحدث.
وكانت هناك فرصة مواتية لتنفيذ ذلك، عندما تقدمت كتلة العمل الوطني باقتراحها بندب النائبان السابقان عادل الصرعاوي ود.حسن جوهر إلى بنك الكويت المركزي للإطلاع على خلفيات القضية، إلا أن الاقتراح أُسقط برفض حكومي نيابي، وانسحاب كتلة المعارضة حينئذ.
واليوم يقع على عاتقنا جميعاً الانتفاض لنصرة قضية الإيداعات المليونية، أن نجعلها الأولى على سلم أولوياتنا، وأن نطالب بإحالة الملف من دون عبث إلى ديوان المحاسبة للتحقيق في الإجراءات الإدارية والمالية لبنك الكويت المركزي ولوزارة المالية والجهات التابعة لها، والتأكد من مدى التزام تلك الجهات بتنفيذ وتطبيق قانون غسل الأموال، إضافة إلى إمداد الديوان بالأوراق والمستندات التي توصلت إليها لجنة التحقيق.
ولا يجب أبداً النسيان المطالبة بإحالة الأوراق والمستندات التي بحوزة لجنة التحقيق والأمانة العامة لمجلس الأمة بشأن قضية الإيداعات إلى النيابة العامة للتحقيق فيها، لربما تواجدت وتوصلت اللجنة إلى معلومات حساسة وجديدة قد تفتح الملف من جديد.

Wednesday, November 21, 2012

البحث عن وسيلة للتنقل



نوفمبر 2012

ذهبت اليوم إلى مدينة فورت دوج، وحسب الخريطة الإلكتروني –التي لا علاقة لي لها –أنها تبعد نحو 125 ميلا إلى الجانب الغربي من حيث أقيم حاليا، استغرقت الرحلة ذهابا نحو ساعتين ونصف الساعة، ومثلها في الرجوع إلى مدينتي الصغيرة شرقي ولاية آيوا الباردة.

التنقل بين المدن في آيوا صعب جداً، وبعد بحث دقيق، تبين أن الولاية لا تمتلك سكك حديدة لاستخدام الأفراد، وإنما هي مخصصة للاستخدام التجاري البحث، فيما تمتلك الولاية شركتين تجاريتين مخصصتين للنقل الجماعي، وما أثار سخطي واستفزازي الشديدين أنه رغم أن المسافة بين المدينتين، والتي لا تستغرق سوى ساعتين، فإن الرحلة عبر الحافلة ستستغرق 19 ساعة، لكون الحافلة ستتوقف في كل نقطة داخل مدينتي والمقاطعات الصغيرة إلى فورت دودج.

وبدأت أفكر بخطط بديلة عن تلك التي باءت بالفشل، واستهلاك 20 دولار في التنقل من محطة الحافلات إلى مكان سكني في وسط المدنية، غامرت وأجريت اتصالا على مكتب أحد شركات الأجرة، وطلبت توفير سيارة في اليوم التالي، وبلغت التكلفة ذهابا وإيابا مع أربعة ساعات انتظار نحو ستمئة دولار، وافقت على مضض، لكوني مضطر إلى الذهاب إلى فورت دوج، وبدأت أتذمر لأني تركت إجازتي الدولية في حجرتي في الكويت.

البحث عن وسيلة للتنقل من مدينة لأخرى في الولاية أشبه بالبحث عن الذهب في الولايات الغربية بمنتصف القرن الرابع عشر، أجد مناقشة هذا الأمر مع عدد كبير من الأمريكيين في هذا الأمر سخيف جداً، ونحن في العام 2012.

 

نزلت إلى الشارع عند الساعة الخامسة فجراً في انتظار سيارة الأجرة لرحلة الأنس إلى فورت دودج، درجة الحرارة ممتازة، وبعد اطلاعي على برنامج الطقس في هاتفي تشير إلى -3 درجة سيليزية، لدرجة إني ارتديت نصف الحقيبة التي حملتها معي، فلست معتاد على هذا الطقس الجاف المجحف بالبرودة، حتى وصلت مركبتي.

امرأة عجوز في العقد السادس من عمرها، بكل لطف القت التحية، ثم سألت "قرمت؟"، وكانت إجابتي "نعم"، ثم دخلت إلى المركبة بسلام، العجوز لطيفة تدعى شيريل، وهي سيدة متطورة تكنولوجيا، فتحت حاسوبها المتنقل ثم جهاز الملاحة، وبدوري زودتها بالعنوان المراد الذهاب إليه.

البداية لم تكن موفقة من الجانبين، لم نكن نثق ببعضنا، فهي طلبت أن أدفع قيمة المشوار مقدما، وأنا طلبت أن أدفع النصف، أي قيمة مشوار الذهاب فقط، مع احتفاظي بالمبلغ المتبقي لحين الرجوع، وهنا توصلنا إلى الاتفاق يرضي الطرفين، وطلبت لاحقا فاتورتين منفصلتين لأسباب إدارية خاصة.

اتضح خلال رحلة "الضيم" أن شيريل كأي امرأة مسنة –وهي قاعدة عامة -تحب "الهذرة" بدرجة خيالية، حتى أنني فكرت إنها ربما تم إرضاعها بسن "بشتختة"، أو ربما قضت أيام طفولتها إلى جانب مذياع مفتوح حتى أثناء نومها، ولكنها كانت تملك قلب طيب جداً، حاولت الإجابة عن استفساراتي عن طبيعية الحياة الريفية في آيوا، وعن آخر أسعار القمح في الولاية، وقيمة استهلاكه، إضافة إلى أثر صناعة الإيثانول المركز على قيمة القمح وتأثيره المباشر على المواطنين.

وبعد مرور ساعة ونصف الساعة طلبت شيريل أن تفك "زنأتها" في إحدى محطات البنزين، وهذا شيء كان من المفترض أن أتوقعه، وما يعني إننا تأخرنا نحو ربع ساعة على الطريق، وكانت الفرصة جميلة لاستطلاع آراء المتواجدين في المحطة عن انتخابات الرئاسة الأمريكية، ولكني "هونت" بعد أن رأيت نظرات المتواجدين في المحطة، وكأني أحمل قنبلة يدوية، اشتريت قنينة مياه وبعض السكاكر، دفعتها "بالعافية"، ثم رجعت إلى المركبة.

 

 الطريق إلى فورت دوج طويل مثير للاهتمام، الطريق I-20-East، مقسم إلى ثلاثة أقسام، الأول طريق حضري بسيط، بعدد لا يستهان به من الحفر، وهي منطقة تذكرني كثيراً في السالمية – الجهة المقابلة لنادي السالمية – أو حولي، أما الجزء الثاني، فهو متوسط الطول، يحيط الطريق مزارع القمح ومصانع الإيثانول، إضافة إلى عدد كبير من الطواحين الهوائية، والتي تزود تلك المزارع بالطاقة الكهرباء.

وعلى حسب معلومات النسرة شيريل، فإن الحكومة الأمريكية تقدم الدعم لمن يستخدم هذه التكنولوجيا الأوروبية، لأنها صديقة للبيئة، وتوفر بشكل كبير للطاقة الكهربائية، وهي طريقة ذكية لتحفيز أصحاب تلك المزارع، ويقدر الدعم السنوي بنحو 70 ألف دولار، إضافة إلى تقديم القروض لمن يريد بناء هذه الطواحين بنسبة فوائد منخفضة تكاد تكون معدومة.

في الشق الثالث من الطريق فإننا ندخل إلى مدن عدة صغيرة، ينخفض السرعة في الأقسام الثلاثة من 65 إلى 55 ثم 45 عند اقتراب المدينة، ثم 35 إلى 25 ميلاً في الساعة داخل أحياء المدن، ثم العودة إلى 65 ميلا للطرق ذات الحارتين و55 ميلا للطرق ذات الحارة الواحدة ذهابا وإيابا.

وصلنا بحمد الله والمنة إلى مدينة فوردت دوج عند الساعة التاسعة والنصف، وذلك بسبب توقف شيرل المتكرر، وبما أن الوقف كان مبكراً على موعدي، فإنها أصرت على إقامة وليمة إفطار في "الداينر" القريب من مقر موعدي، طبق شهي من البيض المخفوق والقهوة الأمريكية السوداء الداكنة.

بدأت شيريل بالحديث طبعاً عن نفسها، وصدمت عندما تبين أنها صاحبة شركة الأجرة، وهي أم لثلاثة أولاد وبنت، ولديها ثمانية من الأحفاد حتى الآن، زوجها متقاعد وعسكري سابق، بينما ابنها هو المسؤول عن الشركة، أما هي فهي تعشق القيادة والسفر لمسافات طويلة، وتقول أنها قبل ثلاثة أيام كانت في رحلة إلى شمال الولاية في رحلة امتدت لأربع ساعات متواصلة، كانت مهمتها مطاردة القطار الذي يحمل مواد إشعاعية مهمة، وكان رجال إحدى وكالات الأمنية في الولايات المتحدة أستأجر خدماتها في متابعة القطار، ومعها اثنان من المهندسين لمتابعة القطار، وهم فنيين مهمتهم تصليح القطار في حالة حدوث أي طارئ.

حضرت لقائي الخاص، وامتد لنحو أربع ساعات، وبعد الانتهاء بدأت أقلق على شيريل، ليس لارتباط عاطفي، ولكني خشيت أن تكون قد قررت الرحيل وتركي وحيداً هنا، فالمدينة "تييب القامت"، وبعد اتصالين اثنين قررت الرد علي، وتبين أنها كانت تعمل على حاسوبها الشخصي، ثم وصلت بعد ربع ساعة من الانتظار.

ودفعت "المقسوم" أولا كما الاتفاق، كانت رحلة العودة مملة ومرهقة، حضنت حقيبتي التي أحملها على كتفي ثم غفوت لساعة تقريبا أي تقريبا نصف الطريق، وثم بدأت أقلب الصور التي التقتها خلال لقائي من خلال كاميرتي، والاستمتاع بصوت ماري جبران ورياض السنباطي، إلى أن وصلت إلى مدينتي.

حققت الأهداف المرجوة من الرحلة، ولكن التكلفة كانت باهظة جداً، وقررت البحث عن وسيلة آخرى للتنقل، لاسيما إني أخطط لرحلات ربما تكون أطول من التي انتهيت منها اليوم.

الساعة الآن التاسعة مساءً، وجسمي المنهمك يكاد يستسلم للتعب.

شيريل كانت ودودة، التقت معها صورة في كاميرتها الشخصية الصغيرة للذكرى، قالت لي أنها ستبعثها إلى بريدي الإلكتروني، وسترجع أي أغراض ربما أكون قد نسيتها في المقاعد الخلفية للمركبة. – انتهى.