Saturday, October 14, 2017

بداية يناير في نهايته



صوت الموسيقى الصاخب يحيط بمن يجلس في الحانة، الجميع يحاول التجرد من الواقع  بتأثير الصهباء،  وبصحبتها يتساوى المجنون والمحب مع المحبط من أعباء الحياة، لا يمكن التنبؤ بدوافع من دخل الليلة ليحتفل برأس السنة الميلادية.


وعلى أعتاب السنة الجديدة، انشغل عقلي المترنح* في التفكير بشأن الأسباب الحقيقية وراء هذه الاحتفالات الدورية، وهل يحتفل الإنسان بقرب إنقضاء أجله؟، لاسيما إننا مع دخول كل عام جديد تزداد معه اضطراديا أعمارنا، ما يقربنا خطوة إلى قبورنا، أم إننا نحتفل بميلاد المسيح، وهو الذي لا تزال سنوات حياتة المؤثرة والغريبة مصدرا للجدل، حتى تفرعت الديانات، فهناك من عمّده إله وأشرك بالله، وآخرون يعتقدون –من العقيدة لا الاعتقاد- أنه لا يزال حيا رفعه الله عز وجل إلى السماء، إلى أجل مسمى.


أفكار عديدة تسلطت عليّ  وسط الاحتفال الليلة،  والتي لا أعلم إن كانت ستكون خيراً أو شراً، ولكني أبرقتها مذكراً بمعاهدتنا، والتي تجدد سنويا تلقائيا، ما لم يخطر أحد الطرفين الآخر قبل 15 يوما، وهو ما لم يتم، وفق بنود المعاهدة، ربما تكون هذه إحدى نوبات السنة الجديدة، وتسرب هذا الشعور العرضي الإشتراطي إليّ بالخطأ.


قد نحتفل هذه السنة لوحدنا، وفي نهاية الشهر سيحتفل الصينيون برأس السنة الميلادية، وفي هذه الاحتفالية سينطلق سنة (...)، وهي أكثر السنوات حظوظا، ربما سيعكس هذا على سنتنا الميلادية، لذا سأحاول أن أكون أكثر انفتاحا وتفاؤلا في هذه السنة التي تدعي الإيجابية.


هل (...) إن قلت إني رأيت فهد العسكر؟، وإني تشاركت معه في سيارة الأجرة؟، كانت وجهته إلى (...) المحاذية لناصية(...) بينما كان طريقي إلى فندق "الربعي"، مشورانا استغرق نحو 25 دقيقة، ظل صامتا طوال الطريق، وقبيل وصوله إلى محطته، سألته كيف تتعطل لغة الكلام كما وصفها في قصيدة يا جارة الوادي؟ ابتسم، وطلب مني أن  أجمع بدايات أبياته في تخميسه  للمتنبي عيد بأية حال عدت.

هل كان فهد فعلا؟ أحاول أن لا أخوض في التفاصيل.

*رنّح  أي رنّح للشيء – طالع معجم الوسيط.



يا عيد عدت فأين الروض والعود؟
وا لهـف نفسي وأين الراح والغيد
بل أين أحبـاب قـلبي والمـواعـيــد
قلبي أسيرٌ..... ورب البيت عندهم
قد حيل – وا حسرتا - بيني وبينهم
أين المواسون ؟ فاض الكأس، أين هم ؟
أواه .. ضاعف أحزاني... شرابكما
شتان ... شتان.. ما بيني... وبينكما
فخبـرانــي .... بحق الله ..... ربكما
يـالـتعـــاســـة لا الأوتــار تطربني
بشـدوهـا لا، ولا الأنغــام تؤنسني
فيا ندامـى .... أمنكم من يخبرني
الأمس كانت قطوف الوصل دانية
واليوم أضحـت لتعس الحظ قاصية
وضـــاع عـمـري وما حققت أمنيةً
يومي كأمسي وأمسي أسـودٌ كغدي
يا دهــر خفف كفى ما ذقت لا تزدِ
ويا رفاقي أعذروني إن نفضت يدي
فكم شكوت ولكــن لم أجد أحدا
يصغي فأبكي، وهل تروي الدموع صدى
وعشت لا أرتجي مـالا ولا ولدا
وعشت بين أنـاس لا وعـودهــم
تشفي غـلـيلا ولا تغني عهودهـم
عُمي وأطماعـهـم أمست تقودهـم
فهد العسكر
نيويورك ٢٠١٢
*مذكرة متروكة في المسودة منذ تلك الفترة

Sunday, June 30, 2013

في رحيل أم يوسف.




في إبريل الماضي فقدت أعز إنسانة في حياتي، رحلت جدتي أم يوسف بعد صراع سبع سنوات مع المرض العضال، قاومت وقاتلت من أجل الحياة، وفاضت روحها الطاهرة بعد أن التقينا جميعاً الليلة التي سبقتها، كانت بصحة وعافية قويتين، بسذاجتي وشدة فرحتي لم أستوعب أنها صحوة الموت إلا في صبيحة اليوم التالي.

أكثر ما آلمني إني لم أحظى بفرصة توديعها، أن أقبل رأسها ويديها وقدميها، وهي أم يوسف التي بذلت الغالي والنفيس في تربيتي، ومنحتني جلّ اهتمامها رغم تقدمها في العمر، مذ ذلك اليوم لم أجد نفسي قادراً عن الكتابة أو حتى الحديث عنها، عن أي شيء أكتب أو أذكر؟

أأذكر لقاءاتنا الصباحية قبل ذهابي إلى مقر عملي؟، أم تلك المكالمات الطويلة الأسبوعية طوال فترة غربتي، والنصائح التي قدمتها لي؟، وإزالتها باستمرار من خلال رجاحة عقلها لكل الآلام التي أصابت ضلوعي، يؤلمني كلما حاولت التعبير عن أم يوسف، فكيف أختصر سيرة إنسانة كانت على قيد الحياة والاكتفاء بكلمة "كانت"، كيف يتحول إنسانة حية ترزق إلى مجرد ماضي أو ذكرى عابرة؟

سيبقى آخر لقاؤنا جمعني بك محفوراً في عقلي، قبل أن يبدأ المرض اللعين في الانتشار، ويسلبك مني، كنت في ذلك الوقت في طريقي إلى المطار، واعتدت دائما على زيارتك قبل مغادرتي، طالب في السنة الثالثة في الجامعة، أحفظ كل كلمة من ذلك اللقاء، خاصة وصيتك الأخيرة لي قبل الوداع، ولا زلت متمسكا بتلك الوصية.

يتعصر قلبي كلما تذكرت تلقي خبر وفاتك في الثامنة والنصف صباحاً من ذلك الثلاثاء، وشريط الذكريات في طريقي إلى منزلك، لم أكن مستوعباً وأنا وخالي يوسف عندما حملناك إلى "المغيسل" إنها المرة الأخيرة التي سأراك فيها، ولم أتمكن من إلقاء النظرة الأخيرة قبل إتمام مراسيم الدفن، فقلبي لا يقوى على الوداع.
اليوم فقط عرفت شعور اليتيم من بعدك يا أم يوسف.

إبريل 2013.

Thursday, June 6, 2013

في "حكم الدستورية"




الكويت تقع على أعناق المستشارون في المحكمة الدستورية، ففي السادس عشر من يونيو الحالي، ستفصل المحكمة في مدى دستورية المرسوم بضرورة وفق المادة 71 من الدستور من مجلس الوزراء، والذي غيّر بموجبه آلية التصويت، بحيث تم تقليص الأصوات الممنوحة لكل ناخب بلغ السن القانونية من أربع أصوات إلى صوت يتيم.

الحكم المرتقب صدوره، سيؤثر مباشرة في مستقبل السياسي للبلد، وأرى أن خطورة الحكم يكمن في منح مجلس الوزراء صلاحيات تفوق ما ورد نصاً في الدستور، إذ يصبح من حق مجلس الوزراء تغيير آلية التصويت في كل عملية انتخابية، لم تعجبها مخرجاتها، وذلك استناداً إلى المبدأ العام، أن أحكام المحكمة الدستورية نهائية لا يجوز الطعن بها.

رأيي المتواضع يميل إلى قبول جميع الطعون المقدمة على مرسوم "الصوت الواحد"، وذلك بعد أن قبلت المحكمة في يونيو الماضي الطعون في سلامة مرسوم الدعوة للانتخابات مجلس الأمة في فبراير 2012، وبناء عليه تم إبطاله، لأسباب إجرائية تتعلق في التشكيل الحكومي، وما صاحبه من إجراءات مرسوم حل مجلس الأمة 2009، ولا بد –طبيعياً- من المحكمة أن تستمر في قبول الطعون، والتأكيد على مبدأها وحقها العام في بسط يديها على المراسيم الأميرية.

شخصياً، أرى أن قانون الانتخاب وآلية التصويت هما نص واحد مترابط، وبناء عليه، فإن المحكمة الدستورية فصلت بشكل واضح، لا لبس فيه، أن تعديل قانون الانتخاب أمراً سياسيا، يصدر بقانون، وهو اختصاص لمجلس الأمة في الأحوال الطبيعية، ومن هذا الجانب أتوقع، وكلي آمال أن تنتصر المحكمة الدستورية لحكمها الأخير بشأن الدوائر الانتخابية.

لماذا أرجح الإبطال؟، هناك عوامل كثيرة، أجد نفسي مقتنعا تماماً في ما قدمه النائب السابق لرئيس مجلس الأمة عبدالله الرومي في طعونه، أهم ما جاء في طعنه –وهي نقاط مهمة ومثير للاهتمام- استناده للمادة 102 من الدستور، التي تنص على "لا يتولى رئيس مجلس الوزراء أي وزارة، ولا يطرح في مجلس الأمة موضوع الثقة به، ومع ذلك إذا رأى مجلس الأمة بالطريقة المنصوص عليها في المادة السبقة عدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء، رفع الأمر إلى رئيس الدولة، وللأمير في هذه الحالة أن يعفي رئيس مجلس الوزراء، ويعين وزارة جديدة، أو أن يحل مجلس الأمة.

 وفي حالة الحل، إذا قرر المجلس الجديد بذات الأغلبية عدم التعاون مع رئيس مجلس الوزراء المذكور، اعتبر معتزلا منصبة من تاريخ قرار المجلس في هذا الشأن، وتشكل وزارة جديدة".

نص الفقرة الثانية شديد الأهمية، أنه في حالة توصل الأمر إلى استجواب رئيس مجلس الوزراء، وحصل المستجوبون على العدد الـ 25، رفع الأمر إلى رئيس الدولة، وفي حالة قرر حل المجلس، فإن من حق رئيس الدولة إعادة تعيين رئيس مجلس الوزراء، ولكن في حالة عودة "ذات الأغلبية"، وهنا أركز على لفظ "ذات الأغلبية" عدم التعاون معه، واستجوابه مرة أخرى، فإنه في حالة حصولهم على الرقم الـ 25، فإن الأمر يخرج من يد رئيس الدولة دستوريا، ويعتبر رئيس مجلس الوزراء معتزلا منصبة، وعلى رئيس الدولة سمو أمير البلاد تعيين رئيساً جديد لمجلس الوزراء وفق المادة 56 من الدستور.

وبالتالي، فإني أصور ما حصل في مجلس الوزراء عندما لجأ  إلى المراسيم الضرورة، كان يهدف إلى تغيير تركيبة مجلس الأمة، ويقطع الطريق أمام كل من يريد استجواب رئيس مجلس الوزراء، حتى لا يعزل سياسياً وفق الفقرة الثانية من المادة 102 من الدستور، ليأتي بمخرجات نيابية صديقة وأليفة مع الحكومة.

أما في ما يتعلق في المادة 71 من الدستور التي تنص على "إذا حدث فيما بين أدوار انعقاد مجلس الأمة، او في فترة حله، ما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير، جاز للأمير أن يصدر في شأنها مراسيم تكون لها قوة القانون، على أن لا تكون مخالفة للدستور أو للتقديرات المالية الواردة في قانون الميزانية، ويجب عرض هذه المراسيم خلال خمسة عشر يوما من تاريخ صدورهما، إذا كان المجلس قائما، وفي أول اجتماع له في حالة الحل أو انتهاء الفصل التشريعي، فإذا لم تعرض زال بأثر رجعي ما كان لها من قوة القانون بغير حاجة إلى إصدار قرار بذلك، أما إذا عرضت ولم يقرها المجلس، زال بأثر رجعي ما كان لها من قوة القانون، إلا إذا رأى المجلس اعتماد نفاذها في الفترة السابقة أو تسوية ما ترت من آثار بوجه آخر".

أجد أن جميع المراسيم التي أصدرها مجلس الوزراء غير دستورية، لكونها لا ينطبق عليها الضرورة، وإن كان بعض السياسيين يرون أن الميزانية العامة للدولة للسنة المالية 2012-2013 مهمة ويجب اعتمادها، فإن هذا الأمر مردود عليه، إن الانتخابات أقيمت في بداية ديسمبر 2012، ولدى المجلس الجديد نحو 45 يوماً قبل أن تنتهي المدة، فوزارة المالية حسب النصوص القانونية والدستورية، لديها فرصة حتى 29 يناير من كل عام لتقديم تقدير الميزانية العامة للدولة إلى مجلس الأمة، وكذلك المجلس لديه متسع كثير من الوقت لمناقشة وإقرار الميزانية، لاسيما أن الوقت يسعف لعقد أكثر من جلستين علنيتين، وجلستين تكميلية، أي ما يوازي أربع أيام، وهنا يظهر لي جلياً عدم دستورية مراسيم الضرورة الخاصة في الميزانية العامة للدولة.

أما باقي المراسيم الضرورة الأخرى، فبالله عليكم أين الضرورة في تعديل قوانين الإسكان، الشركات التجارية، تحويل مؤسسة الخطوط الجوية الكويتية إلى شركة مساهمة، وغيرها من المراسيم ذات صيت شعبي؟، إن مجلس الوزراء استعمل المراسيم الضرورة في غير محلها، ولو كنت محل المحكمة لأبطلتها أيضاً، انتصاراً للمبدأ العام لمفهوم مرسوم الضرورة.

كما إني أجد أن هناك نقاط مهمة أيضا، وحجج أخرى للطعن بمرسوم الصوت الواحد، أرى أن الحكومة التي أصدرت المرسوم غير دستورية، وأرجع هذا الأمر إلى أن الوزراء وفق النصوص الدستورية يؤدون اليمين الدستورية مرتين الأولى وفق المادة 126 التي تنص على " قبل أن يتولى رئيس مجلس الوزراء والوزراء صلاحياتهم يؤدون أمام الأمير اليمين المنصوص عليها في المادة 91 من هذا الدستور".

ويعد القسم أمام سمو الأمير هو قسم تنفيذي، ليتولى إدارة شؤون الوزارة، ولكن هذا لا يعني قدرة الوزير على ممارسة أعماله داخل مجلس الأمة، ,وليس من حق مجلس الوزراء التقدم بمشاريع بقوانين إلى مجلس الأمة، إلا بعد أداء اليمين الدستورية أمام مجلس الأمة وفق المادة 91 التي تنص على "قبل أن يتولى عضو مجلس الأمة أعماله في المجلس أو لجانه يؤدي أمام المجلس في جلسة علنية اليمين الآتية: أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصاً للوطن والأمير، وأن احترم الدستور وقوانين الدولة، وأذود عن حريات الشعب ومصالحه وأمواله وادؤي أعمالي بالأمانة والصدق".

وهنا أورد تساؤل جوهري، هل يحق لمجلس الوزراء أن يتقدم بطلب عدم إمكان التعاون مع مجلس الأمة، وبناء عليه حل المجلس، وهو ليس عضواً فيه؟، فهو لم يقسم أمامه ليفعل عضويته فيه بالأساس؟، أما الرد بالقول أن رئيس مجلس الأمة رفع رسالة إلى سمو الأمير يبدي فيه عدم قدرة المجلس على اكمال نصابه لأداء الحكومة اليمين الدستورية أمامه، فهي غير دستورية، الدستور بمواده الـ 183 لم تنص أبداً على مثل هذا الإجراء، وإن كانت نوايا رئيس المجلس أن يرفع الحرج عن عدم تمكنه من  دعوة مجلسه للانعقاد، إلا أن هذه الرسالة ودية من رئيس سلطة لسمو الأمير، ولا شيء أكثر من ذلك.

هناك طعون كثيرة وحجج مقنعة في عدم دستورية المرسوم الصوت الواحد، وأحدها أنه لا يحق لمجلس الوزراء أن يشكل كيان جديد يتمثل في اللجنة الوطنية العليا للانتخابات، ورصد ميزانية خاصة بها، دون اعتماد مجلس الأمة هذا الكيان واعتماد ميزانيته، وربما يكون هذا أحد الحجج القوية أيضا.

أتمنى أن كون قد وفقت في عرض وجهة نظري بشأن حكم المحكمة الدستورية المرتقب في 16 يونيو المقبل.

Monday, April 1, 2013

Note to self.




لم أنوي القدوم إلى أريزونا، كان كل شيء بمحض الصدفة، أجريت اتصالاً هاتفيا إلى أحد الأصدقاء للمساعدة في موضوع متعلق في العمل، ونصحني بالقدوم إلى هنا، بناء على الاتصال أجريت ترتيبات السفر بسرعة مذهلة، عشرون دقيقة من البحث في مواقع الانترنت سعيا لإيجاد فندق لإيوائي لبضعة أيام.

إجازتي الشخصية تبدأ بعد الأربعة أيام التي سأقضيها في أريزونا، ثم سأغادرها إلى هيوستن تكساس، ولكن الخطة لم تفلح، عقلي لم يكن في محله عندما وافقت على القدوم هنا، الرحلة من لوس أنجلوس كانت متعبة ومثقلة للغاية، اضطررت إلى أخذ حبوب منومة لأهنئ بقليل من النوم، علّه يساعدني على تصفية ذهني.

استيقظت من النوم على رنين الهاتف ورجفته، أنه خالي محمد دعاني إلى تناول وجبة الغداء بعد انتهائه من دوامه وعودة زوجته من العمل، أمي كانت قد أبلغته أمس عن قدومي هنا، وبعد إغلاقي لسماعة الهاتف، بدأ عقلي فعليا في التفكير.

حزت كثيراً، بكيت لدقائق معدودة، كيف يمكنك أن تغفري لي، أن أكون قد نسيت إنك قضيتي أيام طفولتك ومراهقتك  التي لم تنعمي بها هنا؟، في مدينة شديدة القرب من حيث أسكن، في حي الجامعة المعروف، وهو المكان الذي كنت تنوين الذهاب إليه، ولكن سبقك الدهر.

سبق أن كتبت عنك في مدونتي، والدك كالعادة حاول تغيير الموضوع مجدداً، ضمني بقوة عندما وصلت إلى شرفة منزله، يقول لي إنني بدوت أشبه أمي، لم أعد الطفل الذي اعتاد أن يحمله على كتفيه للذهاب إلى محلات نحن والأطفال برفقة أبنائه.

طوال فترة جلوسي على طاولة الطعام، كان السؤال يلح عليّ باستمرار أن أسأل عن مكان مرقدك الأخير، ولا أعرف سبب دفنك هنا، بعيداً عن الجميع، وأسئلة أخرى أعلم إني لن أحصل على إجاباتها، ولأنني دائما من يوجه الأسئلة إلى الناس، وجدت نفسي بلا قوة لتوجيه أي منها اليوم.

تناولنا كأسين من الشاي في شرفة المنزل الجميلة، وبعض الحلويات والسكريات، أبلغته إني أقلعت عن تناولها منذ أشهر الآن، إلا أن خالي دائماً ما يصيب نقاط ضعفي الدائمة، ووعدت نفسي بعدها بأن أبذل مجهوداً إضافيا في النادي الصحي في الفندق فور عودتي أو غداً في أقصى تقدير.

سألت خالي السؤال الصعب، وذهبت في الصباح التالي إلى مرقدك الأخير، الشاهد واضح باسمك، لم أحمل معي وروداً مثلما يفعل الممثلون في الأفلام السينمائية، ولم أحمل معي رسالة أعبر فيها عما أشعر به، كل ما فعلته إني وقفت أمامك لدقائق.(...) ومن ثم كتبت بذور مذكرتي هذه.

بدأت في تنقيب ذاكرتي، احتفظ صور قديمة لعائلتي ووالدي في هاتفي المحمول، ومن ضمنها صورة جمعتنا معنا أثناء وجودنا في الشاليه مع أختك الكبرى، وأسئلة وتساؤلات صارت تؤرقني، هل يحق لنا أن ننسى من أثر في حياتنا بعد مماتهم؟

وفاتك هي الحادثة الأولى وتجربتي الأولى في رحيل الأقارب، ثم فارقتني جدتي لأبي بعدها بعامين، ورحيل عدد من الأصدقاء، استطيع تسميتهم جميعا الآن، عبدالله ويحي ومصطفى وأحمد وبراك وناجي، وعبداللطيف، وطارق وعمر.
آسف..
توسكون، أريزونا
 نوفمبر 2012