Tuesday, August 24, 2010

رسالة بلا عنوان


إليها،

أليس مضحكا كيف تُسيرنَا الأيام، أجد نفسي في مقعد الطائرة المتوجهة إلى الهند، أحذوا بخطوات جدي النوخذه في سفره من الكويت إلى قطر ومنها إلى كيرلا، ولكن رحلتي هذه لم تستغرق سوى بضع ساعات، محددة بأربعة أيام، لن أنتظر موسم القفال لأرجع إلى الوطن، وحتما سأعود هذه المرة وبصحبتي العقد الذي وعدتك به مسبقاً، والذي سيزين عنقك.

آنستي، لا زلت متمسكا بمهنج الرسائل رغم تطور وسائل الاتصال، وأعرف يقينا مدى قدرتك على تحليل الكلمات من رموز إلى معان ذات مغزى، وأعلم أنكِ أكثر دراية فيها عن غيرك، وعرفت من الحياة بأن الرسائل ليست سوى غاية للتواصل بين روحين منفصلتين في بقاع الأرض، ومهما اتسعت المسافة بينهما، إلا أن مصيرهما واحد، ويحتم علينا الاختيار.


تعتلج الكلمات في صدري، أبقى عاجزا عن التعبير عما يختلج الفؤاد ردا على كلام العجوز التي طالعتني للمرة الأولى، وأفصحت عن طالعي فجأة، ولكني بعد فترة اكتشفت بأن العجوز كانت تعاني من الخرف، ما يفسر ما هذيت به إلي، و أن كل ما قالته لي لم يكن سوى أوهام اعترت عقلها.


آنستي، إن الحياة مثلما قلتي أنهاراً قد تغير مجراها، ولكن موقفي مثل الروافد ثابتة في مصبها لا تتحرك،


جل ما أخشاه في رحيلي أن أعود لأواجه مصير محمد الفايز، عندما وطأت قدماه تراب الوطن ليكتشف أن "طيبة" حبيبة العمر أنقضى أجلها، عندها سأردد ما قاله في مذكرته الخامسة


عندي خُمور
عندي عُطور
عندي بَخور الهند يا تجار مكة يا ملوك
عندي القلائد و الأساور للجواري و النساء
من يشتري أفراح بحارٍ يعود مع المساء
الشمس في عينيه ماتت مثلما مات العبير
و النور في بيت خلا لولا حصير
و فتيل مسرجة كأهداب الضرير
لِمَ تُنبت الأرض الزهور
و عظام موتانا بها؟ أين الحبيبة؟
ماتت من الجُدَريِّ طيبة
من يشتري كل المَحار؟
من يشتري كل البِحار؟
بعيون طيبة يا نهار
قد أطفأت عينيك عيناها فحاربْتَ الضياء


أو أن أجد نفسي ملازما لفهد العسكر في معاقرة الصهباء، بينما يرتل قصيدته "نوحي" على مسمع رواد المقهى، وكل ما أخافه أن يصل إلى ترتيل تلك الأبيات التي أتحاشاها


قد أرغموكِ على الزواجِ بذلك الّشيخِ الوضيعْ
أغْرَاهمُ بالمالِ وهوَ المالُ معبودُ الجميع

فقضوا على آمالنا ، وجنوا على الحبِّ الرفيعْ

ما راعَ مثلُ الوردِ يذْبُلُ وهو في فصلِ الربيعْ
**********
قد زيّنوا الأحداثَ ـ ويلهمُ ـ وسمَّوها مَخَادع
كمْ ذُوِّبَت فيها كُبودٌ ، واكتوَت فيها اضالِعْ
وتحطّمتْ مُهَجٌ ، وسالت أنفُسٌ ، وجرَت مدامعْ
هذا ، وما من زاجِرٍ ، كلاّ ولا في الحيِّ رادعْ
**********
زُفَّت وهلْ زُفَّتْ فتاةُ الحيِّ للزوجِ الحبيبْ ؟
هل أخفَقَت أم حقَّقتْ بزفافها الحلْم الذّهيبْ
وارحمتاهُ لها ، فقد زُفَّتْ الى الِّسجنِ الرهيبْ
وغَدَت بهِ نهْبَ الجوى ، والشَّجْوَ ، والهمّ المُذيب


الهند

٢٤ أغسطس ٢٠١٠

Saturday, August 7, 2010

في الحظوظ و الصدف




سألتني .. هل تؤمن بالحظ أو الصدف؟، لم أكن بعد مستعد نفسيا لهذه النوعية من الأسئلة المباغته، ولكني لم أتلفظ سوى بالكلمات التي أقتنعت بها، بأني لا أؤمن بالحظ، بينما أؤمن بالصدف، ربما تبرير هذا التناقض بحاجة إلى ساعات عدة لتوضيحها، لم أتردد باستدراك حديثي أن الحظ لم يكن يوما في صفي، بل على النقيض، فهو ندي الأبدي.


قيل لي بأن حظي سيكون تعيساً دائما، وفقاً لتاريخ ميلادي، لذا لن يغير ذلك شيئا،وهذا الشيء ما أكدته العرافة التي قابلتها قبل أسابيع في نيفادا.


فتحت حقيبتها الصغيرة التي حملتها معها، وأخرجت منها عملة ورقية، أجبتها ممازحا "نحن لا نقبل التبرعات النقدية"، ابتسمت، وأصرت أن تسلمني ورقة نقدية أخرجتها من محفظتها، انصدمت عندما تبين لي بأن العملة التي أهدتني هي دولارين في ورقة نقدية واحدة أمريكية؟، سألتها هل سرقتيها من لعبة "مونوبولي" لأختك الصغيرة نينا؟


لم تتمالك كرستين نفسها من الضحك، وأوضحت أنهاعملة نقدية نادرة، لم يكتب لها النجاح في عملية التدوير، ولكنها لا زالت قابلة للصرف، لافتة إلى أنها تجلب السعادة و الحظ الوفير لمن يحملها، وعندما رفضت قبولها، أصرت على الاحفتاظ بها لأنها ترى بأني بحاجة إليها أكثر منها، وفضلت أن تهديني أعز ما تملك قبل رحيلي من مدينة شيكاغو.


وعدتها أني سأحتفظ بالورقة ما حيت، لعل في أحد الأيام سأتمكن من توريثها إلى ذريتي، إن كتب الله عز وجل ذلك.


اقترحت أن نذهب إلى مطعم القدس القديمة، وهو مطعم لفلسطنيين هاجروا من القدس الشرقية إلى الولايات المتحدة قبل نحو ٥٠ عاما، إلا أني أصريت على الذهاب إلى مطعم الإيطالي، والذي يبتعد نحو شارعين من المقهى الذي جلسنا فيه، قررنا الذهاب إلى دار السينما لمشاهدة فيلم "اختراع الكذب"، والذي يحكي عن أول رجل اخترع الكذب في العالم، كل ما تبادر إلى ذهني كيف أن أكون الشاهد أول أكذوبة في تاريخ البشرية


أحداث الفيلم تشير إلى أن البشر كانوا يعيشون يوميا على بوح الحقيقة القاسية، من دون أي تخفيف لها، وبإمكان المشاهد أن يرى التأثير السلبي لهذه الكلمات على شخصيات الفيلم المتعددة، حتى أن أحد شخصيات الفيلم بدأ يفكر بالإقدام على الانتحار لأيام عدة، إلى أن تدخل بطل الفيلم ليخفف عنه آلامه.


بعد الفيلم بدأت بالتدبر بأحداث الفيلم و بقساوة الحياة إن كانت تعتمد كليا على بوح الحقيقة، وأن البشر سيصرحون بكل ما سيجول في خاطرهم، لك أن تتصور مقدار الأذى النفسي الذي قد يسببه الأشخاص لبعض، وهذا لا يدفعنا على الكذب والافتراء دائما،ولكن هناك أكثر من طريقة لقول الحقيقة، منها أن تختار المفردات بعناية، لتصل المعلومة بطريقة خفيفة بأذى أقل.


توصلت الليلة إلى أن الحياة بالحقيقة فقط هي حياة باردة قاسية، خالية من الأحساسيس أو المشاعر، يحتوي الفيلم على عمق فلسفي رهيب، ما دفعني إلى التفكير الليلة في نفسي، لست من الذين يؤمنون بالمناطق الرمادية، أرى الحياة أحد اللونين إما أبيض أو أسود، لا مجال للون الرمادي أو وجود بقعة مشتركة، كل ما أعرفه بأن هناك الخطأ و الصواب، و أن الإنسان ينبغي في النهاية أن يميل لما هو في جادة الصواب، ولكن تختلف القرارات بحسب النسبة، تباً للنسبيين!


الليلة هي الأخيرة لي هنا، وسأغادر غدا الولاية متوجها إلى العاصمة واشنطن، لذا فضلت أن أطيل بعض الشيء في المدينة، لأستمتع بناطحات السحاب العملاقة، إلى أن أوصلت كريستين إلى مقر سكنها، أوعدتني قبل أن أذهب بأن احتفظ بعملة الورقية، وتمنت لي حياة سعيدة.. كانت عبارتها الأخيرة لي "كم هي محظوظة"،وعندما سألتها عنها لم تجبني، بدأت أصدق بما صرحت به العرافة.

-- أكتوبر ٢٠٠٩


العملة النقدية.

للمزيد من المعلومات عن العملة النقدية هنا

Saturday, July 17, 2010

مسألة ضمير


من يعرفني عن كثب سيكتشف أني لست من الأشخاص الذين يحلمون أبدا، كل ما أتذكره من الليلة الماضية هو السواد و العتمة، ولكن هذه الأيام اختلف الأمر كليا، بدأت أعاصر أحلاما بعضها الغريب و الآخر أجد صعوبة بالغة في فهمها، لست من الأشخاص الذين يصدقون الأحلام، أو يسعون إلى معرفة معناها، إلا أني وجدت نفسي في ليالي عدة أقف أمام نفس الصورة التي التقطت في أحد المباني خلال رحلتي إلى الولايات المتحدة.

أورد هنا ما كتبته في مذكراتي.


أستمتعت كثيراً اليوم، خطيت بخطوات والدي هنا في نيويورك، عندما بلغت الثامنة من عمري، اصطحبني والدي إلى أماكن كثيرة أثناء زيارتنا إلى نيويورك، أولا إلى حاملة طيرات الانتربد، و الثانية إلى سنترال بارك، و الأخيرة إلى تايم سكوير، ولكن للأسف "كاتس" لم يكن لها نصيب في هذه الرحلة.


ولكن قبل زيارة هذه الأماكن المتفرعة، زرت مقر صحيفة النيويورك تامس، وهي صحيفتي المفضلة، الكثير من الزملاء يفضلون الواشنطن بوست عليها، ليس المقصود تهميش من مكانة الأخيرة، ولكن هناك أقسام في النيويورك تايمس لا يمكنك أن تغفل عنها، مثل نشرتها الأسبوعية الثقافية، لاسيما قائمتها الشهيرة لأكثر الكتب مبيعا، و الملحق التكنولوجي اليومي، إضافة إلى قسمها الدولي، والذي قابلته الليلة.


الجولة في أرجاء المكان كان لطيفا، سنحت الفرصة للقاء رئيس التحرير، ورئيس القسم الدولي، فضلا عن نائبة رئيس مجلس الإدارة، ولكن ما لفت انتباهي هي الصورة المعلقة على الحائط في الدور الخامس، وهو الطابق المخصص لفائزين بجوائز البوليتزر من الصحيفة، وهم كثر!


الصورة المعلقة في الطابق الخامس هي لأحد أشهر المصورين الذين استعانت بهم الصحيفة، ويدعي كيفن كارتر، كانت الصورة لطفلة سودانية تعاني من جوع و فقر شديدين، لا يطاق، لم يحاول كارتر مساعدتها،وإنما ظل لساعات -على حد رواية المسؤولين في الصحيفة- لإلتقاط صورة معبرة للطفلة، كان ينتظر أن يفرد النسر جناحيه خلف الطفلة، لتصبح الصورة مثالية جداً، ولكن باءت محاولاته بفشل ذريع، التقط كارتر الصورة، ومضى في طريقه من دون أن يساعد الطفلة.

الصورة نشرت في صحيفة النيويورك تايمس في عام ١٩٩٣، وتلقت الصحيفة سيلا من الاتصالات تستفسر عن مصير الطفلة، وطالب العديد من الصحافيين من الصحيفة أن تعد تقريرا مفصلا عن الطفلة، و حالة المجاعة التي تعاني منها أطراف السودان، وانتقدت الصحف الأمريكية بشدة تلك الصورة، ووصفت المصور "بالمعتدي جنسيا و الظالم و القاسي"، لأنه لم يكترث بمساعدة تلك الطفلة المسكينة.

وحاول عدة صحافيين أن يحاولوا معرفة مصير الطفلة بعد الصورة الفوتوغرافية، إلا أنهم لم يتوصلوا إلى نتيجة، وأنه من الأرجح أنها لقت مصرعها نتيجة الجوع.

حصد كارتر جائزة البولتزر للصحافة عن أفضل "فيتشر صحفي" في عام ١٩٩٤، وهو يأتي من أصول جنوب أفريقية، ولم يتحمل الانتقادات التي استمرت بملاحقته إلى أن انتحر في السنة ذاتها التي حصل على أشهر جائزة للصحافة.

الضمير على حد قول رئيس التحرير أدى إلى الانتحار، وأورد في رسالة انتحاره إنه ربما سيلاقي تلك الطفلة التي لم يتمكن من مساعدتها، ويقول في رسالته الأخيرة، إنه ربما ستسنح له الفرصة للقائها.. إن كان محظوظا!

الشيء الوحيد الذي يبقيني ساهرا حتى الآن هو انعدام ضمير المصور لتلك الطفلة المسكينة من ناحية، و إحساسه و ضميره الذي أنبه لفترات طويلة إلى أن انتحر، ما لم استطع فهمه، لماذا شعوري بأن انتحاره هو الحل الصحيح له، ولماذا انتحاره يشكل رمزا للمسؤولية؟

ما أعرفه، أن الانتحار هو شيء جنوني، ولا يجوز أن يحدد الإنسان مصير حياته في الأساس لأنه في النهاية الأعمار بيد الله عز وجل، وإنما في هذه الحالة فإن انتحار كيفن كارتر شكل صورة للضمير.

ما أود أن أتوصل إليه، إن ضمير كارتر يشكل شرفا كبيرا لضميرا حيا، بينما في وطني الكويت، الكثيرون سرقوا الملايين، و يتنعمون بأموالنا، أموال الشعب المسكين، ولا يعانون أبدا من الصور التي كانت تطارد كارتر منذ التقاطه لتلك الصورة.


في بلدي الملايين تنهب من مناقصات، رشاوى، و غيرها من المحرمات، و في نهاية النوم، يتمكن سراق المال العام من النوم، نوما هنيئا، بينما جفت عيون كارتر،و انتحر في النهاية، .. نعم لكارتر ضمير و شرف.


-- أكتوبر ٢٠٠٩


* صورة كيفن كارتر الشخصية، و بجانبها الصورة التي التقطها

في ١٩٩٣ كما بدت في مبنى النيويورك تايمس.


الصورة الأصلية التي التقطها الراحل كيفن كارتر.



Thursday, June 24, 2010

الجامع الوجيز في غرائب أسفار القرمتي - المبحث الثالث الفصل الرابع


المبحث الثالث

عنوان المذكرة: المنهج التجريبي القرمتي، الجزء الأول.


سنحت لي الفرصة الالتقاء مع البروفيسور وارن لارود في مدرسة رينولدز للصحافة، وهو أحد الفائزين بجائزة البولتزر الأمريكية المخصصة للإعلام والصحافة في منتصف السبعينيات، على خلفية تحقيق صحفي أجراه عن "بيوت ممارسات البغاء" في ولاية نيفادا، لم أرد أن أكون مثل الجميع متلهفا لسماع تحقيقه المجنون و الجريء، لذا حرصت أن أجر حواري معه إلى الحياة الريفية البسيطة هنا، و بعض أطراف السياسة الدولية التي أجيد تحليلها.


البروفيسور لارود، أبدى اهتماما جما عندما جرنا الحديث إلى الأوضاع في الشرق الأوسط، و عن الحرب الكويتية العراقية الباردة أخيرا، وتفاصيل حضوري لاجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في مدينة نيويورك، داهمنا الوقت في المكتبة العامة، ولم يتسن لنا تكملة محاور حديثنا الشيق، لذا دعاني لشرب الجعة ليلا في أحد الحانات المشهورة.


أعجب البروفيسور لارود في في حديثنا، ما جعله يدعوني في المساء إلى ليلة سمر في أحد الحانات المشهورة، لبيت الدعوة الماجنة، ووصلت إلى المكان المنشود في تمام الثامنة مساء ، مرتديا بدلة داكنة السواد، وقميصا أبيضا وربطة عنق حمراء، طلبت صاحبة الحانة عند دخولي هويتي الشخصية، لتتأكد بنفسها من بلوغي السن القانونية لتناول الجعة، تفاجئت عندما أخرجت جوازي الأزرق من جيب معطفي، ولكني بررت حمله لعدم امتلاكي هوية تبرز معلوماتي الشخصية بالإنكليزية.


تسامرت مع البروفيسور الذي تناول عدة كؤوس من الخمرة الرخيصة، وبدأ حوارنا بمناداة "ستيفني" صاحبة الحانة لتأخذ طلبي، إلا إنني خيبت أمل الأثنين بطلبي مشروبا غازيا بدلا من معاقرة الصهباء، ما دفع "ستيفني" إلى السخرية من طلبي قائلة " إنك تعلم أن تختار ما تشاء من أي مشروباتنا الكحولية ؟"، أجبت ردا لخفة " طينتها " بابتسامة عريضة.

لم يمانع البروفيسور لارود من الإفصاح عن الجوانب التي لم يشير إليها في القصة، ولكنه في الوقت نفسه طلب مني أن لا أشير إليها في أية تقارير، ولم يمنعني من تدوين ما وراء تلك القصة في "مذكرتي"، بعدها لفت البروفيسور بنبرته الخشنة إلى أن المكان لا يزال موجودا، ومدني بالعنوان، و رقم المكان إن أردت الذهاب للاستطلاع و التمتع إن أردت، ولكن نبهني قائلا " إياك أن تلتقط صورا فوتوغرافية للمكان من دون إذن صاحبة المنزل".


غادرت المكان بعد أن عبَّرت عن خالص شكري للبروفيسور الذي قضيت معه لأكثر من ساعتين تحدثنا بشتى المواضيع، مع النصائح المستقبلية، منها إنشاء مدونة إلكترونية، بشخصية جمهولة الهوية،و غيرها من الأمور، لم يكن من المفترض أن تميل إلى الجانب الأدبي، ولكنها في النهاية جزء منها.


في طريق عودتي إلى فندق بلازا ريسورت بدأت شياطين نيفادا، وهي الولاية الأكثر سرعة في إتمام عقود الزواج في العالم، والولاية المرخصة الوحيدة لمثل تلك الدور، و عقر دار الشياطين في الأرض تلعب بي، حاولت التملص من تلك الأفكار، إلى أن تلقيت اتصالا من عبدالعزيز بو صِرَّه، الذي راقت له الفكرة، وتطوع بتأمين سيارة أجرة تنقلنا من و إلى تلك المنطقة، في خطوة علمية أسماها بالـ " اتباع خطوات البروفيسور" لهدف علمي بحت.


لم يكن أحدا على علم برحلتنا الليلة إلى المنطقة "المبوءة"، والتي لا تبتعد عن مقر إقامتنا سوى 45 كيلو متر، و وثقت هذه الرحلة في دفاتر المخصصة للرحلات على أنها رحلة لاكتشاف الحياة الغربية الفاجرة، المضحك أننا دخلنا بكاميراتنا و مسجلاتنا و أقلامنا دون أن ينشر لها شيئاً، رغم موافقة الأطراف المعنية، إلا أن تحقيقي و تحقيق بو صِرَّه كان من المفترض أن ينشر في دولتين مختلفتين، إلا أنه تعذر نشره لأسباب خارج عن إرادة الجميع.

التتمة قريــباً.

* الجو الصحراوي لم يمنع من انخفاض درجة الحرارة إلى ما تحت الصفر حسب المقاييس السيليزية.


Thursday, June 10, 2010

Sunday, June 6, 2010

فقدان الحكمة



لم تكن صحيفة "القبس" مخطئة قبل ثلاثة سنوات و نيف، عندما طلبت في افتتاحيتها من " عقلاء " المجلس – المقصود هم أعضاء المجلس ذو العقول النيرة- إيقاف العبث السياسي التي تعيشه البلاد والحياة البرلمانية.

في جلسة خاصة للمجلس الثلاثاء الماضي، والتي خصصت لمناقشة الاعتداء الصهيوني على "قافلة الحرية" المحملة بالأطنان من المساعدات الإغاثية والإنسانية لقطاع غزة المحاصر، أصدر المجلس قرارات عديدة أهمها توصية بانسحاب الكويت من المبادرة العربية للسلام.

الحديث عن المبادرة العربية للسلام تدخلنا في عدة نقاط مهمة، لابد من توضيحها، أولا أن السياسات الخارجية للدولة هي من صميم اختصاصات السلطة التنفيذية، كما يتدخل فيها الرغبات السامية في توجيه وترشيد العلاقات الرسمية بين الكويت وغيرها من الدول الشقيقة و الصديقة، لذا تبقى تلك القرارات سيادية، لا يجوز من التدخل فيها.

ولكن لا ينحسب توجيه المشورة أو النصيحة في هذا الجانب، لأنه مفتوح في أي وقت، أما ثانيا، فإن انسحاب الكويت من المبادرة سيدخلها في تأويلات سياسية خارجية، منها دعم الكويت للعمليات الإرهابية أو انتهاج وتحفيز العنف لحل القضية الفلسطينية، وهي ترويج لسياسة خارجية سوداء خاطئة، ولا يمكن للكويت بالعقل او بالمنطق أن تدخل في هذا النزاع،لأنها لا تمتلك القوة و لرغبة السياسية على الصعيد الدولي، ولم تكن في الفترة الأخيرة في المفاوضات العربية - الإسرائيلية ولا تملتك حتى أو الطاقة العسكرية لهجوم، فهي لا زالت في نطاق الدول النامية المتخلفة.

في الجلسة ذاتها أعلن رئيس المجلس جاسم الخرافي أن اللجنة التشريعية و القانونية البرلمانية ستقدم في جلسة الثلاثاء المقبلة (بعد غد) قانون يجرم فيه الاتصال بإسرائيل، ويتبادر إلى الذهن كيف بإمكاننا الاتصال بالكيان الصهيوني، ونحن لدينا قانون يمنع التطبيع مع إسرائيل، كما أننا في بقعة جغرافية بعيدة كل البعد عن الكيان، فكيف سنتصل بهم؟، فضلا عن أننا في الكويت لم تنحتضن يوما أي سفارات للكيان أو مكاتب تجارية تابعة لها، فكيف سيتم الاتصال أو التعامل معهم؟

الحديث عن القانون سيسجل للكويت مواقف و سمعة سيئة على الصعيد الدولي، فإن التجريم بالاتصال أولا أو غيرها من التجريم، سيتخذ من باب نشر مفاهيم و مبادئ الكراهية بشكل علني على السامية، ولا أحتاج بأن أذكر أن المجتمع الدولي على سبيل المثال يتفق بصدق وقوع " الهولوكوست "، وفي فرنسا يغرم كل من لا يؤمن أو يصرح بعدم وقوعها، السؤال ما سيحكم علينا كدولة؟


ما أحب أن أشيد به هو النائب " العقلاني " - في الجلسة الثلاثاء فقط- خلف دميثير، والذي عارض، وأوضح عدة نقاط، منها عدم أحقية مجلس الأمة التدخل في مثل هذه القرارات، وهنا أحب أن أشجع الجميع في الرجوع إلى مضبطة تلك الجلسة، و الاتحتفاظ بها، لأنها ستوضح بشكل كبير مستوى عقلية النواب وحصافتهم الساسية.

الانتقاد يوجه لأعضاء اللجنة الخارجية البرلمانية ورئيسها النائب مرزوق الغانم، الذي كان عليه أن يقف معارضا لقرار المجلس الخاطئ، ولو كان النائب السابق محمد الصقر موجودا، لم نكن لنرى لجنة شؤون الخارجية بهذه الفوضى، أو في عدم الانضباطية، والتخبط بدأ منذ تقديم تقرير الحالة بين الكويت والعراق، و لولا وقوف النائب أحمد السعدون لإياضح أحقية المجلس، وعدم دستورية البحث أو حتى تسليم تقرير اللجنة، و قرارات مجلس الأمن لكان خطأ فادحا، وتقع مسألة الإنسحاب من المبادرة يقع في نفس الخانة.

إن عملية الانسحاب من المبادرة ترتبط بعدة أمور، أولا أن الانسحاب سيؤثر في علاقة الكويت في الدول، منها علاقتنا المتوترة مع المملكة العربية السعودية لعدة أسباب ليست محور الحديث، وعلاقتنا أيضا مع السلطة الفلسطينية القائمة برئاسة أبو مازن محمود عباس، وسؤال المليون هو: كيف تنسحب من مبادرة جمعت العرب في ٢٠٠٢، والكويت التي قادت المصالحة العربية، وأكدت في قمتها أهمية اللجوء إلى السلام و حل للسلطة الفلسطينية سياسيا؟


الخطأ لا يتحمله المجلس لوحده، وإنما الحكومة التي بينت عن سذاجه وزيري الدولة لشؤون مجلس الوزراء الذي تلا البيان الحكومي، و وزير الدولة لشؤون مجلس الأمة الذي لم يصرح بأي شي، وتخاذل في الموافقة على التوصيات جميعها! كان من الأجدر عدم الموافقة في الجلسة و إيضاح الأسباب، ورغم من مديح حركة حماس، و قادة حزب الله في لبنان، لكنه لم يرافقه أي تصريح رسمي من الحكومة الكويتية، وهنا يا سادة يبين لنا أنها وقعت في خطأ.


ملاحظة أخيرة:

الشعب الكويتي لم يكن يوما مهتما في القضايا المتعلقة في الشأن الفلسطيني، و يحمل البعض الكثير من الكراهية إليه بسبب تواطئه مع النظام العراقي البائد، و بما إني أعد نفسي من القوميين العرب في بعض الأحيان، و اهتمامي بالقضايا الدولية أكثر من المحلية، فإن المهتمين من الكويتيين لا يتعدون أصابع اليد الواحدة، و الدليل على ذلك فإن الاهتمام بالشأن الفلسطيني توليه السلطة و لجنة مشتركة بين جمعية الخريجيين و الثقافية النسائية، وهي اللجنة التي تلتفت إلى قضايا المتعلقة بالتعليم و الجوانب الإنسانية، ولا تهتم بالشأن السياسي، لذا أود أن أعبر عن استيائي من النفاق الاجتماعي الكويتي خلال الفترة الماضية.

Tuesday, May 18, 2010

الجامع الوجيز في غرائب أسفار القرمتي الفصل الرابع




مقدمة:


تعلمت توضيب الحقائب منذ بلوغي الثامنة من عمري، بفضل تنقل والدي كل بضعة أشهر إلى مكان آخر، لم تكن رحلاته بغرض التمتع السياحي، وإنما لظروف عمله القاهرة، فهو لم يستقر في بلاده إلا متأخرا، وجدت نفسي في بلدان لم أعلم بوجودها على الخارطة، مدن لم أكن أرغب في المكوث فيها، ومقاهي تمنيت أن أقطن فيها.


ما يجذبني في السفر هي تلك الغريزة الإنسانية التي تمتلكني كلما زرت مكانا جديدا، الضياع بين أزقة المدينة الفارهة، التعمد في التوهان بين شواع فينسيا أو باريس أو نيورورك أو حتى سافانا، كلها مدن عرفها جواز سفري قبل أن تتوطد معرفتي بها، كل ما تبقى من تلك الحقبة صورا فوتوغرافية مستخرجة من مصنع والدي الفوتوغرافي المنزلي.


ورثت عادة السفر عن والدي، لم أجد نفسي مستقرا في مكان واحد لأكثر من أسابيع قليلة، أحب الترحال، يعلق والدي على كثرة سفري المرتبط بالعمل أني بدوت كالسندباد، مستعدا للسفر مع كل فجر جديد لاستكشاف العالم الجديد، وتكون ردودي على ذلك النعت بأني أخذتها من جدي النوخذه، أجمل ما في سفرات العمل فرصة الوصول إلى أماكن لم تخطر على عقلي، لأيام محدودة، تساهم في كسر حاجزي الروتيني، أبدأ معها في تدوين ما يدور في الرحلة، مهنة التأريخ و التوثيق ليست سهلة، وما يزيدها حلاوة تلك التفاصيل الدقيقة التي أعيشها.


لم تجرني رياح سفني إلى الولايات المتحدة بمفردي من قبل، رغم استقراري بها لسنوات لا بأس بها مع والدي أثناء عمله، ولكن مغامرتي الصغيرة هذه استغرقت شهرا، بين ثنايا خمس ولايات متناثرة في كل الاتجاهات الكونية الأربعة الرئيسية، صبغت على الرحلة أحداث دراماتيكية و ميلودرامية، لذا سيكون الفصل الرابع من تحفتي مؤلفي " الجامع الوجيز في غرائب أسفار القرمتي " مكونة من أوراق و مذكرات مختلفة، لن تكون متناسقة أو متكاملة، بل مواقف متنوعة بأسس مختلفة، قصيرة،عميقة،مكثفة.


بداية المتن :


وسط عاصمة ولاية نيفادا اكتشفت العرافة بين عروق يدي اليمنى أني سأشقى في حياتي لا محالة، بادرتها بتساؤلي عن أي شقاء تقصده لعابر سبيل مثلي، لم يجد في موطنه منزلا، زافة إلى مسامعي قرب لقائي بها، موضحة عدم تمكني هذه المرة الهروب.

لم أجد في وجه العرافة أي دلالات "مايكرويه"* يدل على مزاحها، سألتها مجددا هل تعرفت عليها من تعاريج خطوط يدي المتشققة من آثار ضرب استاذة اللغة العربية و قلمي؟ ، فلم ترد، وبعد تنهيده أقلقتني استرسلت قائلة " إن أجبت على تساؤلاتك فلن تكون مفاجأة، ولن تصدقني"، أخذت بضعة دولارات كنت أخبؤها للحاجة إلى يدها اليسرى، إلا أنها أفلتت بيدي اليمنى، قلت " يا إمرأة عن أي شقاء تتحدثين وأنا أكثر الأفراد راحة للبال، اكتفت بإبتسامة"، و قالت " ستعرف قريبا".


في طريقي إلى الفندق لم أتمكن إزالة أغنية خالد الشيخ رحلة الغجر عن بالي، كيف لكاهنة أن تفاجئني في الخامسة و النصف فجرا، وعندما طلبت منها بالمزيد من التفاصيل من باب تقصي الحقائق و الفضول أن تمتنع عن الإجابة، أبقاني ذلك الحوار القصير صاحيا طوال الليلة، أحدث نفسي عن فرضيات وقوع صدى كلامها واقعا.

بدأت أعتب على قريني الذي فضح أمري أمام إمرأة لا يعرفها ، في ولاية يعيش سكانها بحثا عن الفضة في صحراء يشقها أعمق نهر و بحيرة في الولايات المتحدة.


هل كذب المنجمون ولو صدقوا؟

-- أكتوبر2009

*المقصود بالمايكرويه بعلم المايكرو سايكولوجي، وهو أحد فروع علم النفس الحديث